كشفت تجربة تزاوج جماعي بين حوالي 100 سلالة من الخميرة أن حتى الكائنات وحيدة الخلية لديها تفضيل للشريك، وأن لياقة الآباء والمسافة الجينية بينهم يمكن أن تتنبأ بنجاح النسل.

بينما يجد البشر صعوبة في العثور على شريك جذاب ومناسب لتكوين أسرة، اتضح أن الخميرة قد توصلت بالفعل إلى الحل: فعندما يتعلق الأمر باختيار الشريك، فإنها تميل إلى تفضيل أولئك الذين يزيدون من فرص نجاح نسلهم - وفقًا لدراسة جديدة أجراها علماء في معهد وايزمان للعلوم، والتي أسفرت نتائجها عن نتائج جاري النشر الآن في المجلة العلمية تقارير الخليةفي مختبر البروفيسور. إسحاق بيبر أجرى العلماء تجربة غير مسبوقة بهذا الحجم، حيث وُضعت حوالي 10 ملايين خلية خميرة من حوالي 100 سلالة في أنبوب اختبار واحد، وقُيست تفضيلاتها للتزاوج. وكشفت الدراسة عن وجود صلة بين درجة نجاح الآباء ونجاح النسل، مما يُسهم في فهم تطور التكاثر الجنسي.
تُنتج خميرة الخباز، المعروفة لدينا من صناعات الخبز والمشروبات الكحولية، ذريةً بطرقٍ متنوعة: فعندما تكون الظروف البيئية مواتية، تتكاثر ذاتيًا، بينما في أوقات المجاعة، تُنتج أبواغًا تحسبًا لأيامٍ أفضل. تتلقى الأبواغ نصف المادة الوراثية لخلية الخميرة "الأم" وتنقسم إلى نوعين a و α، في إشارةٍ إلى الانقسام إلى ذكرٍ وأنثوي. وعندما تتحسن الظروف، تُفرز الأبواغ فرمونات (مواد ذات رائحة)، وتتزاوج، ثم تندمج لتُشكّل نسلًا واحدًا كاملًا.
كما ينقسم البشر إلى مجموعات سكانية مختلفة، تمتلك الخمائر آلاف السلالات. في الطبيعة، تتشكل أبواغ كل خلية خميرة في كيس منفصل، ويحدث التكاثر الجنسي في أغلب الأحيان بين أفراد من نفس الخلية. لذلك، فإن التزاوج بين السلالات نادر نسبيًا ولكنه مثير للاهتمام بشكل خاص، إذ يمكن أن يكشف عن كيفية توارث الصفات وما إذا كان هناك تفضيل لشريك معين لدى هذه الكائنات القديمة.
مئة صنف للاختيار من بينها
في دراسة جديدة، بقيادة الدكتورة سيفان كامينسكي-ستراوس وتحت إشراف البروفيسور بفيلفيل والدكتورة أورنا داهان، أجرى الباحثون عملية تزاوج جماعي بين أبواغ من حوالي 100 سلالة مختلفة، وذلك بوضعها في أنبوب اختبار واحدة تلو الأخرى لمدة 20 ساعة. تم إدخال كل سلالة بآلاف النسخ لإتاحة فرص عديدة لها للتزاوج مع السلالات الأخرى، ما مكّن العلماء من حساب عدد مرات اختيار كل سلالة للأخرى بدقة. توضح الدكتورة داهان قائلة: "أدخلنا رمزًا شريطيًا تعريفيًا في الشفرة الوراثية لكل سلالة من السلالات الأصلية. كما أدخلنا آلية تعمل فقط في النسل، وتضمن ارتباط الرموز الشريطية من كلا الأبوين بتسلسل واحد، ومن خلاله سنعرف في نهاية التجربة من هما والدا كل نسل."
فوجئ العلماء باكتشاف أن بعض سلالات الخميرة تتجنب التزاوج فيما بينها بشكل منهجي. وكشفت مقارنة أزواج من السلالات التي تنتج ذرية أكثر وأخرى تنتج ذرية أقل عن اختلافات معينة لا تعتمد فقط على مستوى النشاط الجنسي لكل سلالة، أي أن الباحثين اكتشفوا على ما يبدو تفضيلًا للشريك في الخميرة. أجرى فريق البحث التجربة في ظل ظروف معيشية رئيسية: على ركيزة غذائية تفضلها معظم أنواع الخميرة، وعلى ركيزة غذائية يصعب على معظمها هضمها. وعندما توفر الغذاء المفضل، مالت الخميرة إلى تفضيل الشركاء الذين أدى تزاوجهم إلى ذرية أكثر نجاحًا.
يقول البروفيسور فايل: "يقربنا هذا الاكتشاف من حلّ سؤال جوهري في علم التطور، ألا وهو: هل القدرة على اختيار الشريك جزء لا يتجزأ من التكاثر الجنسي، أم أنها مجرد "تحسين" ظهر لاحقًا؟". ويضيف: "من جهة، ربما حُفظ التكاثر الجنسي، على عكس التكاثر الذاتي، في التطور ببساطة لأنه يُنتج تنوعًا جينيًا. ومن جهة أخرى، قد تكون القدرة على اختيار شريك يُحسّن النسل هي الأهم. وجود هذا التفضيل في الخميرة يُشير إلى أنه آلية قديمة وأساسية. ولحسم هذه المسألة، نبحث حاليًا فيما إذا كان بالإمكان إسكات الجينات المسؤولة عن تفضيل الشريك في الخميرة دون القضاء على التكاثر الجنسي تمامًا، أو ما إذا كانت هذه الجينات لا تنفصل عنه. وثمة سؤال آخر مطروح: كيف تُحدد سلالة الخميرة الشريك المناسب؟ أحد الاحتمالات هو أن الفيرومونات الخاصة بكل سلالة لها اختلافات كيميائية فريدة تُعطي الآخرين معلومات عن سماتها المهمة."
سرّ نجاح النسل
أتاحت تجربة تربية الخميرة فرصة نادرة لاكتشاف كيفية توريث درجة النجاح في الحياة من الآباء إلى الأبناء. بالنسبة لباحثي التطور، يُعدّ النجاح في المقام الأول "الكفاءة"، وهو مصطلح يصف مدى نمو الكائن الحي وتكاثره. الكفاءة سمة معقدة، فهي سمة كمية ذات مستويات مختلفة، وتتأثر بالعديد من الجينات والظروف البيئية. يبلغ زمن جيل الخميرة أقل من ساعتين، مما يسمح بقياس كفاءتها بسهولة وسرعة من خلال منافسات النمو في المختبر. ولتتبع وراثة الكفاءة، أجرى العلماء منافسات نمو بين الآباء، وكذلك بين أبنائهم.
توضح الدكتورة كامينسكي-ستراوس قائلةً: "عندما كان الغذاء المفضل متوفرًا، كلما كان كل من الوالدين يتمتع بصحة أفضل، كان النسل أكثر صحة. أما في غياب الغذاء المفضل، فكان العامل المهم هو الاختلاف الجيني بين الوالدين؛ إذ تزداد صحة النسل مع ازدياد "المسافة الجينية" بينهما حتى تصل إلى مسافة مثالية، ثم تتناقص بعدها. وبناءً على ذلك، تمكنا من تطوير نموذج إحصائي يتنبأ، استنادًا إلى سمات الوالدين، مثل الصحة والمسافة الجينية، بمدى صحة النسل في ظل ظروف معيشية مختلفة."
تُعدّ هذه الدراسة الجديدة علامة فارقة في تطور علم الوراثة الكمية، وهو مجال بحثي يجمع بين الأساليب الوراثية والإحصائية لدراسة الصفات الكمية المعقدة وكيفية توارثها. كما أنها تُرسي الأساس لدراسة تفضيلات الشريك لدى البشر. يقول البروفيسور بفيبيل: "مع أنه من غير الممكن إجراء تجربة تزاوج جماعية على البشر، إلا أنه يُمكن محاكاتها باستخدام أساليب علم الوراثة الكمية وقواعد البيانات الوراثية لآلاف الأشخاص". ويضيف: "في بحث لاحق، بقيادة طالب الدراسات العليا بار كوهين، نقوم بحساب شكل الجينوم البشري لو اخترنا شركاءنا عشوائيًا، ونحاول تحديد المناطق في الجينوم التي تنحرف بشكل كبير عن النموذج العشوائي. قد تحتوي هذه المناطق على الجينات التي تؤثر على اختيار الشريك".
كما شارك في الدراسة كل من روثي غولومب، ودونيا خوري، والدكتورة نوعا أهارون حفيظ، وهدار مئير من قسم علم الوراثة الجزيئية بالمعهد؛ والدكتور دايغ شيخ كريمالي من جامعة تورنتو؛ والبروفيسور جياني ليتي من جامعة كوت دازور في نيس، فرنسا.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: