بحث علمي: تجارة الحياة البرية تزيد من خطر انتقال مسببات الأمراض إلى البشر بمرور الوقت

يُظهر تحليل بيانات أربعين عاماً أن الثدييات التي يتم تداولها في السوق العالمية تشترك في المزيد من مسببات الأمراض مع البشر، وأن كل عقد إضافي من التجارة يضيف، في المتوسط، مسبب مرض مشترك واحد إضافي.

تزيد تجارة الحيوانات غير المشروعة من احتمالية انتقال الأمراض من الحيوانات إلى البشر. صورة توضيحية: depositphotos.com
تزيد تجارة الحيوانات غير المشروعة من احتمالية انتقال الأمراض من الحيوانات إلى البشر. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

لا تُشكل تجارة الحياة البرية العالمية تهديدًا للأنواع والنظم البيئية فحسب، بل هي أيضًا آلية منهجية تزيد من خطر انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر. هذه هي الرسالة الأساسية لدراسة جديدة نُشرت في 9 أبريل 2026 في مجلة ساينس، والتي حللت بيانات تجارة الحياة البرية ومسببات الأمراض لدى الثدييات على مدى 40 عامًا. درس الباحثون كيف يؤثر انخراط نوع معين في التجارة، ومدة تداوله، ووجوده في التجارة غير المشروعة أو أسواق الحيوانات الحية، على احتمالية نقله مسببات الأمراض إلى البشر.

ركزت الدراسة على الثدييات، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن نسبة كبيرة من الأمراض الحيوانية المنشأ التي تصيب البشر تنشأ من هذه المجموعة. جمع الباحثون قواعد البيانات العالمية للتجارة القانونية وغير القانونية، بما في ذلك اتفاقية سايتس، ونظام معلومات السوق الأوروبية المشتركة بين الأنواع المهددة بالانقراض (LEMIS)، ونظام معلومات السوق الأوروبية المشتركة بين الأنواع المهددة بالانقراض (DSW)، مع قاعدة بيانات كلوفر، التي تضم أكثر من 190 ألف ارتباط موثق بين الثدييات والفيروسات والبكتيريا والفطريات والأوليات والطفيليات الأخرى. وبذلك، رسموا صورة شاملة للعلاقة بين طرق تجارة الحياة البرية وانتقال مسببات الأمراض بين الحيوانات والبشر.

أبرز النتائج هو التباين الصارخ بين الأنواع المتداولة وغير المتداولة. فمن بين 2,079 نوعًا من الثدييات المصنفة ضمن فئة المتداولة، تشترك 41% منها في عامل ممرض واحد على الأقل مع البشر، مقارنةً بـ 6.4% فقط من الأنواع غير المتداولة. وحتى بعد أن أجرى الباحثون تعديلات إحصائية لمراعاة التحيزات المحتملة كالعلاقة التطورية، والمنطقة الجغرافية، والجهود البحثية، والعيش في بيئة بشرية، والاستهلاك كغذاء، وجدوا أن الثدييات المتداولة أكثر عرضةً بنسبة 1.5 مرة لحمل الأمراض الحيوانية المنشأ. بعبارة أخرى، يُعد مجرد تداول نوع ما أقوى مؤشر على احتمالية انتقال مسببات الأمراض إلى البشر.

تُظهر الدراسة أيضًا أن الخطر لا يقتصر على وجود هذه التجارة فحسب، بل على طبيعتها أيضًا. فقد وُجد أن الثدييات التي تُتاجر بها كحيوانات حية أكثر عرضةً لنقل مسببات الأمراض إلى البشر من الأنواع التي تُتاجر بها كمنتجات فقط. وفي إحدى الدراسات، وُجد أن الأنواع التي تُباع كحيوانات حية أكثر عرضةً بنسبة 1.34 مرة لنقل مسببات الأمراض إلى البشر. ويوضح الباحثون أن الحيوان الحي يحمل مسببات أمراض نشطة معه بمرور الوقت، وأن الاحتكاك الوثيق بالبشر طوال سلسلة الجمع والتخزين والنقل والبيع والحيازة يُتيح فرصًا أكبر لانتقال هذه المسببات بين الأنواع.

بدون إشراف صحي وبيطري

أما فيما يتعلق بالتجارة غير المشروعة، فالصورة أكثر تعقيدًا. فعند دراسة مسألة ما إذا كان نوع معين من الحيوانات يشترك في عامل ممرض واحد على الأقل مع البشر، لم يتبين وجود دليل قاطع على تأثير مستقل للمشاركة في التجارة غير المشروعة. مع ذلك، كشف تحليل آخر، تناول عدد العوامل الممرضة المشتركة بين الأنواع المتداولة بالفعل، أن الأنواع التي تظهر أيضًا في التجارة غير المشروعة تشترك في المتوسط ​​مع البشر بمعدل 1.4 ضعف عدد العوامل الممرضة مقارنةً بالأنواع التي تُتداول عبر القنوات القانونية فقط. لذا، لا يُستنتج أن جميع أنواع التجارة غير المشروعة متساوية في خطورتها، بل إنها قد تُفاقم المخاطر في كثير من الحالات، لا سيما في ظل ضعف أو انعدام الرقابة والنظافة والفحص البيطري.

تُعدّ مسألة الزمن من أهمّ النتائج التي توصلت إليها الدراسة. فقد فحص الباحثون أكثر من 236 ألف سجلّ تجاريّ لـ 583 نوعًا من الثدييات بين عامي 1980 و2019، ووجدوا أنّه كلّما طالت فترة تداول نوعٍ ما في التجارة، زاد عدد مسببات الأمراض التي ينقلها إلى البشر. ويُقدّرون أنّه في المتوسط، ينقل نوعٌ من الثدييات البرية مسببًا مرضيًا إضافيًا واحدًا إلى البشر مقابل كلّ 10 سنوات من تداوله في التجارة العالمية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنّها تُشير إلى أنّه لا ينبغي الاهتمام فقط بالأنواع التي تُعتبر بالفعل مُشكلة، بل أيضًا بالأنواع التي لم يُعترف بها بعد كمُشكلة خطر صحيّ واضح، ولكنّها تستمرّ في التداول مع مرور الوقت، ما يُتيح فرصًا مُتزايدة لانتقال الأمراض.

الأهمية في حقبة ما بعد كورونا

يحرص الباحثون على عدم إثبات علاقة سببية مطلقة في كل حالة. ويؤكدون أن هذا النوع من البحوث الارتباطية لا يستطيع وصف اتجاه انتقال العدوى بدقة في جميع الأنظمة، وأن الانتقال العكسي، من البشر إلى الحياة البرية، قد يلعب دورًا أيضًا. ومع ذلك، يعتقدون أن الاتجاه الرئيسي هو من الحياة البرية إلى البشر، لأن البشر يستهلكون الحياة البرية وينقلونها ويؤوونها ويحتفظون بها في كثير من الأحيان، بينما يكون الانتقال العكسي أقل شيوعًا. كما يحذرون من أن سياسة الحظر الشامل وحدها قد تحوّل النشاط إلى قنوات غير قانونية إذا لم تُصاحبها إجراءات إنفاذ وتتبع ومراقبة بيولوجية أكثر تطورًا.

في الواقع، ربما يكون هذا أهم درس عملي مستفاد من هذه الدراسة: فالأنظمة الرقابية القائمة، وعلى رأسها اتفاقية سايتس، بُنيت أساسًا لحماية الأنواع من الانقراض نتيجة الاستغلال المفرط، لا للحد من المخاطر الوبائية. وتشير الدراسة الجديدة إلى ضرورة النظر إلى تجارة الحياة البرية كقضية صحية عامة. وإذا ما تم دمج نتائج الدراسة في السياسات، فقد يعني ذلك توسيع نطاق الرقابة على تجارة الأنواع الحية، وتعزيز رصد مسببات الأمراض على امتداد سلسلة التوريد، وإدراج مخاطر انتقال الأمراض بين الحيوانات والبشر بشكل صريح في القرارات الرقابية الدولية. وفي حقبة ما بعد جائحة كوفيد-19، من المرجح أن يتردد صدى هذه الرسالة بقوة أكبر: فتجارة الحياة البرية ليست مجرد مشكلة تتعلق بالطبيعة والحفاظ عليها، بل هي أيضًا جبهة رئيسية في منع تفشي الأوبئة القادمة.

المصدر: مقال بحثي فيعلوم9 أبريل 2026 DOI: 10.1126/science.adw5518.

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.