تُظهر أبحاث معهد وايزمان للعلوم أن نمل النساج يربط أجسامه في سلاسل تشبه السحابات، ويحمل الوزن، ويبني أعشاشًا مستقرة على قمم الأشجار، وقد يُظهر أيضًا إدراكًا جماعيًا متقدمًا.
في الغابات المطيرة بشمال أستراليا، تعيش مستعمرات من النمل غير المألوف. فبدلاً من أن يحفر في الأرض، يعيش هذا النمل على قمم الأشجار التي ترتفع لعشرات الأمتار، داخل كرات مجوفة يُشكلها من أوراق الشجرة. وخلال عملية البناء، يتصل النمل ببعضه البعض، مُحوّلاً نفسه إلى أدوات حية، وفي النهاية ينسج الأوراق معًا بخيوط حريرية تُنتجها يرقاته، ومن هنا جاءت تسميته بنمل النساج. وفي دراسة جديدة، كشفت نتائجها عن... تم نشرها مؤخرا في المجلة العلمية علم الأحياء الحاليقام علماء من معهد وايزمان للعلوم، من مجموعة البروفيسور، بالتحقيق في الأمر. عوفر فاينرمان تم رصد هذه الظاهرة في المختبر باستخدام 52 كاميرا متزامنة بدقة 4K. لاحظ العلماء مستعمرة النمل وهي تقوم بإنشاء واستخدام هياكل "أثقال" و"سحابات"، وحل المشكلات المعقدة، وتجميع أعشاش مستقرة بشكل متكرر دون أن تشعر بالارتباك - بطريقة تشير إلى قدرات معرفية متقدمة.
نمل النساج يبني عشًا
لدراسة مستعمرة نمل، يجب أولاً تحديد موقعها ونقلها سليمة داخل المختبر. ولتحقيق ذلك، سافر البروفيسور فاينرمان والدكتور إيهود بونيو من قسم فيزياء الأنظمة المعقدة إلى تاونزفيل، أستراليا. يوضح البروفيسور فاينرمان قائلاً: "يمكن لكل مستعمرة من نمل النساج في الغابات المطيرة أن تنتشر على عشرات الأعشاش وقمم أشجار يصل ارتفاعها إلى عشرات الأمتار. ولكن لا توجد سوى ملكة واحدة، وبدونها لا تستطيع المستعمرة البقاء طويلاً، والعثور عليها يُضاهي صعوبة العثور على نملة واحدة في تل أبيب بأكملها. لذلك، ركزنا جهود البحث على الأشجار المزروعة في الأحياء الجديدة على أطراف المدينة، حيث لا تزال المستعمرات صغيرة ويافعة، وقمم الأشجار منخفضة."
"تنجح مستعمرة النمل مرارًا وتكرارًا في حل المشكلات المعقدة وتحقيق الإرادة الجماعية، مما يشير إلى أنها تمتلك قدرات معرفية متطورة للغاية مشفرة في السلوك الاجتماعي."
عندما تستشعر نملة النساج الخطر، تعض وتفرز حمضًا، ولتجنب الأذى، ارتدى العلماء بدلات واقية خاصة بالنحل. أكثر من مرة، طلب السكان الذين لاحظوا الفريق المحمي المساعدة في التخلص من النمل العدواني، وامتدت عمليات البحث إلى ساحات المنازل. في إحدى الليالي، تمكن النمل الذي جُمع من الفرار، لكن العلماء لم يستسلموا. في اليوم التالي مباشرة، استأنفوا البحث ووجدوا طرقًا مبتكرة لنقل النمل في ظروف مريحة ودون أن يهرب.
السحابات والأوزان
في المختبر، قام فريق الباحثين، بقيادة جادي تروتسكي وميشال رويتمان من مجموعة البروفيسور فاينرمان، بتصميم ساحة مزودة بشبكة كاميرات تحاكي غصنًا عليه أربع أوراق اصطناعية. في كل تجربة، وضعوا مئات النمل في الساحة وراقبوا بناء العش. يصف البروفيسور فاينرمان الأمر قائلاً: "استخدمت مستعمرة النمل نوعين من الأدوات: السحابات والأثقال". لربط ورقتين معًا، تتصل النملات بسلاسل تمتد بين الورقتين وتسحبهما نحو بعضهما. في البداية، تتشكل سلاسل النمل عند قاعدة الورقتين قرب الفرع، حيث تكون المسافة بينهما قصيرة، ومع اقتراب الورقتين، تتشكل سلاسل إضافية قرب الحافة، كنوع من السحاب الحي الذي يُغلق. لا يقتصر إغلاق السحاب على ربط الورقتين فحسب، بل يتسبب أيضًا في انحنائهما لأعلى أو لأسفل. أما الأثقال فهي سلاسل النمل المتدلية من أطراف الورقتين والمصممة لثنيهما لأسفل. ورغم أن هذه قدرات مثيرة للإعجاب بحد ذاتها، إلا أننا نتوقع أن تمتلك المستعمرة في الطبيعة مجموعة أوسع من الأدوات.
في كل تجربة من تجارب بناء الأعشاش، غيّر العلماء زاوية ميل الأوراق لأعلى أو لأسفل، واختبروا تأثير ذلك على بنية العش. يقول البروفيسور فاينرمان: "لاحظنا أنه حتى زاوية معينة، كانت النملة تثني الأوراق دائمًا على شكل كرة متجهة للأسفل، ومن تلك الزاوية فصاعدًا تثنيها لأعلى، لأسباب هندسية. عند زاوية الانتقال، توقعنا أن يحدث ارتباك وتسحب النملة أوراقًا مختلفة في اتجاهات مختلفة حتى لا تتشكل كرة مغلقة، لكن هذا لم يحدث. اكتشفنا أن النملة تثني دائمًا زوجًا واحدًا من الأوراق في اتجاه معين أولًا، ثم تربط باقي الأوراق به، مما يضمن ثنيها جميعًا في نفس الاتجاه". ولكن كيف تعرف النملة كيفية القيام بذلك؟
نمل النساج يبني عشًاتصوير الفيديو - معهد وايزمان للعلوم
القدرات المعرفية الجماعية
يقول البروفيسور فاينرمان: "من المحتمل أن تكون القدرات الإدراكية الجماعية قد كُشِف عنها هنا. إحدى الفرضيات هي أن النمل يتواصل فيما بينه وينسق ترتيب الأوراق عن طريق إفراز وامتصاص مواد كيميائية ذات رائحة (فيرومونات). ثمة احتمال آخر هو أن الترتيب يُمليه ديناميكيات المجموعة، وأنه فقط بعد توصيل زوج من الأوراق، يتفرغ النمل العامل الموجود عليها لتوصيل الأوراق المجاورة. ولكن هناك أيضًا احتمال ألا يكون هذا تصميمًا جماعيًا، بل اعتبارات تتعلق بالكفاءة المحلية. فعند توصيل ورقة غير مطوية بزوج مطوي، يحتاج النمل الفردي في المكان نفسه إلى بذل قوة أقل لإنجاز عملية الثني بسرعة، وهذا يخلق تأثيرًا متسلسلًا تتصل فيه الأوراق واحدة تلو الأخرى. وحتى الآن، يبقى هذا السؤال مفتوحًا."
بعد ذلك، حاول العلماء فهم سبب بناء النمل لأعشاشه على شكل كرات مجوفة دون غيرها من الأشكال، ولتحقيق هذا الغرض، استعانوا بأدوات من مجال الهندسة الغاوسية. تخيل كرة سلة مصنوعة من قطع جلدية - كل قطعة عريضة في المنتصف ورقيقة عند الحواف، تشبه القطع الناقص. أوراق الشجر لها شكل بيضاوي مماثل، لذا عندما يشبك النمل حوافها معًا، فإن قوانين الهندسة تفرض أن ينتج عن ذلك كرة حتمًا. كون هذا هو الشكل الوحيد الممكن يمنح العش صلابة هيكلية ضد السحق، وهي ميزة كبيرة في الغابات المطيرة، كما أن الكرة المجوفة تتميز بحجم داخلي واسع مناسب لعيش المستعمرة. في هذه الحالة، تكون الظروف الهندسية، وليس إرادة المستعمرة، هي الحاسمة.
يقول البروفيسور فاينرمان: "في هذه الأيام، نقوم بتقطيع الأوراق وترتيبها بأشكال تجعل من الصعب على النمل بناء عش مغلق. ومع ذلك، تنجح المستعمرة مرارًا وتكرارًا في حل المشكلات المعقدة وتحقيق الإرادة الجماعية، وهذا يشير لنا إلى أنها تمتلك قدرات معرفية متطورة للغاية مشفرة في السلوك الاجتماعي."
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: