أظهرت دراسة نُشرت في مجلة ساينس أن الأسماك الكبيرة المحبة للحرارة جزئيًا، بما في ذلك أسماك القرش الأبيض والتونة، تستهلك طاقةً تفوق بأربعة أضعاف تقريبًا الطاقة التي تستهلكها الأسماك ذوات الدم الحار من نفس الحجم. ومع ارتفاع درجات حرارة البحار، قد تتحول ميزتها التطورية إلى قيد فسيولوجي.
تواجه بعضٌ من أكثر المفترسات إثارةً للإعجاب في المحيط، بما في ذلك أسماك القرش الأبيض الكبير، وأسماك القرش المتشمسة، والتونة، مشكلةً لم تُؤخذ في الحسبان سابقًا: إذ ترتفع درجة حرارة أجسامها أسرع من قدرتها على تبديد الحرارة بسهولة إلى البيئة المحيطة. وتُظهر دراسةٌ جديدةٌ أجراها باحثون من كلية ترينيتي في دبلن بالتعاون مع جامعة بريتوريا، أن الأسماك الكبيرة ذات الدم الحار جزئيًا، والمعروفة بالأسماك متوسطة الحرارة، تدفع ثمنًا باهظًا من الطاقة مقابل نمط حياتها السريع والقوي. نُشرت الدراسة في مجلة ساينس بتاريخ 16 أبريل 2026.Science.org
تُعدّ الأسماك متوسطة الحرارة مجموعة نادرة للغاية، إذ لا تتجاوز نسبتها 0.1% من جميع أنواع الأسماك. فهي ليست من ذوات الدم الحار كالثدييات، لكنها قادرة على إبقاء أجزاء من أجسامها أكثر دفئًا من مياه البحر المحيطة بها. وقد تطورت هذه السمة عدة مرات بشكل مستقل لدى أسماك القرش والتونة، مما يسمح لها بالسباحة بسرعة أكبر، والهجرة لمسافات أطول، والصيد بكفاءة أكبر. ولكن اتضح الآن أن السمة نفسها التي تمنحها ميزة تنافسية تُشكّل أيضًا قيدًا متزايدًا في عصر أزمة المناخ.tcd.ie)
طوّر باحثون طريقةً لتقدير معدل الأيض لدى الأسماك التي تسبح بحرية في المحيط. استخدموا بيانات من مجسات دقيقة سجلت درجة حرارة الجسم ودرجة حرارة الماء، ودمجوها مع بيانات مخبرية من مئات الأنواع من الأسماك. مكّنهم هذا من حساب كمية الحرارة التي تنتجها الأسماك وكمية الحرارة التي تفقدها إلى البيئة في الوقت الفعلي. شملت البيانات أيضًا أسماك قرش عملاقة يصل وزنها إلى 3.5 طن.
تستهلك الأسماك ذات الدم الحار جزئياً طاقة أكثر بأربع مرات
كانت النتيجة الرئيسية صادمة: تستهلك الأسماك متوسطة الحرارة طاقةً تفوق بأربعة أضعاف تقريبًا ما تستهلكه الأسماك ذات الدم الحار من نفس الحجم. إضافةً إلى ذلك، فإن ارتفاع درجة حرارة الجسم بمقدار عشر درجات مئوية يزيد معدل الأيض الطبيعي للأسماك إلى أكثر من الضعف. هذا يعني أن المفترسات الكبيرة نسبيًا من ذوات الدم الحار تحتاج إلى كميات أكبر بكثير من الغذاء للحفاظ على قدرتها على البقاء. وعندما يقلّ الغذاء، نتيجةً جزئيًا للصيد الجائر وتضرر السلاسل الغذائية البحرية، فإنها تواجه ما يسميه الباحثون "معضلة مزدوجة": احتياجات أكبر من الطاقة، وفرص أقل للحصول عليها.
تتفاقم المشكلة مع ازدياد حجم السمكة. فبحسب الباحثين، تولد الأجسام الكبيرة حرارةً بمعدل أسرع من قدرتها على تبديدها. لذا، تصبح الأسماك الكبيرة في الواقع "أكثر سخونة" مع نموها. وتشير الدراسة إلى عتبة حرارية نظرية: قد يواجه قرش متوسط الحرارة يزن طنًا صعوبة في الحفاظ على توازنه الحراري في مياه تزيد درجة حرارتها عن 17 درجة مئوية تقريبًا، ما لم يُغير سلوكه أو وظائفه الحيوية. قد يشمل هذا التغيير إبطاء سباحته، أو الانتقال إلى أعماق أبرد، أو تغيير تدفق دمه. لكن أي حل من هذا القبيل له ثمن: ففي الأعماق أو في المناطق الباردة، قد يقلّ الطعام، وتضعف قدرته على الصيد بسرعة وقوة.
الغوص العميق للتبريد
تُفسر هذه النتائج سبب وجود هذه الأنواع الكبيرة غالبًا في المياه الباردة، أو عند خطوط العرض العليا، أو في أعماق أكبر. وقد تُفسر أيضًا بعض أنماط هجرتها الموسمية. فمع ارتفاع درجة حرارة المحيطات، قد تتقلص موائلها المناسبة، لا سيما في فصل الصيف. تستطيع بعض الأنواع، مثل سمك التونة الزرقاء الأطلسية، الغوص مؤقتًا إلى أعماق أبرد أو زيادة فقدان الحرارة، ولكن حتى هذه الاستراتيجيات لا تُعد حلًا طويل الأمد إذا استمر الاحترار.
يؤكد الباحثون أن الأمر لا يتعلق بجميع أسماك القرش أو جميع الأسماك، بل بمجموعة محددة من المفترسات البحرية ذات الحرارة الجزئية. ومع ذلك، تضم هذه المجموعة تحديدًا أنواعًا ذات أهمية بيئية واقتصادية بالغة. فهي تقع في قمة السلسلة الغذائية، وتؤثر على أعداد الأنواع الأخرى، وتلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على توازن النظام البيئي البحري. لذا، فإن إلحاق الضرر بها قد يؤثر أيضًا على النظم البيئية الأوسع نطاقًا.
تُضيف هذه الدراسة بُعدًا هامًا لفهمنا لمدى ضعف الحيوانات المفترسة البحرية العليا. كان من الواضح سابقًا أن الصيد الجائر، وتلف الفرائس، والتغيرات في التوزيع الجغرافي تُهدد أسماك القرش والتونة. والآن، اتضح أن حتى أبسط قوانين الفيزياء المتعلقة بحرارة الجسم وحجمه ودرجة حرارة الماء قد تُشكل عائقًا أمامها. فبالنسبة للحيوانات التي تطورت لتكون سريعة وقوية وفعالة، قد تُصبح هذه الآلية البيولوجية نفسها عبئًا في محيط أكثر دفئًا.
للمادة العلمية DOI: 10.1126/science.adt2981
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: