الانسحاب الأمريكي يخلق فراغاً في القيادة العالمية للمناخ

يمثل تراجع وكالة حماية البيئة عن تحديد المخاطر تحولاً حاداً في سياسة المناخ الأمريكية، ولكن على الرغم من أن الصين رائدة في إنتاج التقنيات الخضراء، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أي شخص على استعداد لملء الفراغ السياسي الذي تتركه واشنطن وراءها.

دونالد ترامب. تخلى عن مكافحة تغير المناخ. صورة توضيحية: depositphotos.com
دونالد ترامب. تخلى عن مكافحة تغير المناخ. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

تلقّت القيادة الأمريكية في أزمة المناخ ضربة قوية في الأشهر الأخيرة، ربما تكون الأهم منذ سنوات. وكانت الخطوة الأكثر رمزية وعملية هي إلغاء "تقرير المخاطر" الصادر عن وكالة حماية البيئة عام 2009، وهو نفس التقرير الذي خلص إلى أن غازات الاحتباس الحراري تُشكّل خطرًا على الصحة العامة، وشكّل أساسًا محوريًا للتنظيم الفيدرالي للمناخ في الولايات المتحدة. سياسيًا، هذه رسالة واضحة: لا تسعى واشنطن الآن إلى قيادة المعركة ضد أزمة المناخ، بل تسعى إلى الانسحاب منها. (وكالة حماية البيئة الأمريكية)

في مقال على موقع المحادثة يوضح ستيفن ليزاك، مدير برنامج في كلية سميث لريادة الأعمال والبيئة بجامعة أكسفورد، أن التداعيات أوسع من مجرد المسألة القانونية الأمريكية. فقد كانت الولايات المتحدة، لسنوات، حتى في ظل تضارب سياساتها، أحد أهم مراكز القوة في مجال المناخ: في مؤتمرات الأمم المتحدة، وفي التمويل، وفي وضع المعايير، وفي قدرتها على توجيه الأسواق نحو مسار العالم. وعندما انسحبت، نشأ فراغ. والسؤال المطروح هو: هل ستسارع دولة أخرى، ولا سيما الصين، إلى ملئه؟

ظاهرياً، لدى الصين كل الأسباب لتولي هذا الدور. فهي تحتل بالفعل موقعاً مهيمناً في سلاسل توريد التكنولوجيا الخضراء. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تسيطر الصين على أكثر من 80% من مراحل الإنتاج في سلسلة قيمة الألواح الشمسية. وفي الوقت نفسه، يستمر التحول العالمي إلى الطاقة المتجددة في اكتساب زخم متزايد: فقد خلصت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) إلى أن 91% من مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة التي سيتم تشغيلها في عام 2024 من المتوقع أن تنتج الكهرباء بتكلفة أقل من أي بديل جديد للوقود الأحفوري. أي أنه حتى بدون القيادة الأمريكية، لا يزال التوجه الاقتصادي الأساسي يميل لصالح الطاقة النظيفة.irena.org)

لكن الريادة في مجال المناخ لا تقتصر على التحكم في إنتاج البطاريات أو السيارات الكهربائية أو الألواح الشمسية فحسب، بل تتطلب أيضاً استعداداً للقيادة السياسية، ورفع مستوى الطموح الدولي، وممارسة الضغط على الدول الأخرى. وهنا، يبدو الموقف الصيني أكثر تحفظاً. ففي سبتمبر/أيلول 2025، تعهدت الصين بخفض انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري بنسبة تتراوح بين 7% و10% عن مستويات الذروة بحلول عام 2035، إلا أن تحليلات نشرتها "كاربون بريف" أشارت إلى أن هذا الهدف لا يزال بعيداً عما هو مطلوب للحفاظ على هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية. بعبارة أخرى، الصين مستعدة للريادة الصناعية، لكن من غير الواضح ما إذا كانت مستعدة للقيادة السياسية بطريقة فعّالة حقاً.موجز الكربون)

يُضعف السياق الجيوسياسي الأوسع نطاقًا أيضًا فرص وجود قيادة واضحة في مجال المناخ. فالعالم يدخل مرحلة من الصراع، وتزايد الشكوك، وضعف النظام الدولي. هذه الظروف لا تُشجع على التعاون المناخي، لأن السياسة المناخية الفعّالة تعتمد على الثقة: على إيمان الدول بأن بعضها البعض يؤدي دوره. عندما تهيمن التوترات الأمنية والحروب التجارية والتنافس التكنولوجي والأزمات الإقليمية على الأجندة العالمية، تُهمَل الاعتبارات المناخية بسهولة لصالح الاحتياجات الأكثر إلحاحًا.

ومع ذلك، هناك عامل أعمق يعمل في الاتجاه المعاكس: الصحة. لا يزال تلوث الهواء أحد أقوى العوامل الدافعة للضغط من أجل تقليل استخدام الوقود الأحفوري. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء يتسبب في حوالي 7 ملايين حالة وفاة سنويًا في جميع أنحاء العالم. لذلك، حتى لو ضعفت دوافع المناخ، ستستمر العديد من البلدان والمدن في تشجيع التحول إلى الطاقة النظيفة لمجرد أن مواطنيها يطالبون بهواء أنظف وكهرباء أرخص واعتماد أقل على الوقود الملوث.منظمة الصحة العالمية)

يقودنا هذا إلى استنتاج أقل دراماتيكية، ولكنه ربما أكثر دقة: العالم لا يتجه حاليًا نحو "خليفة" واحد واضح للولايات المتحدة في مجال المناخ. بل تبرز قيادة منقسمة. ستواصل الصين ريادتها في إنتاج ونشر التقنيات الخضراء طالما يخدم ذلك مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. وستحاول أوروبا تبني نهج أكثر تنظيمًا وطموحًا. وستواصل المدن والولايات والشركات الخاصة الضغط من أجل التحول إلى الطاقة النظيفة من القاعدة إلى القمة. لكن مركز قوة واحد، قادر على تحديد التوجه العام وفرض الطموح العالمي، لا يزال بعيد المنال.

إذن، الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة ليس مجرد فراغ، بل هو أيضاً عرض من أعراض حقبة جديدة. حقبة لا تزال فيها أزمة المناخ قائمة، وتستمر فيها التقنيات اللازمة لحلها بالتطور، بل ويدعم المنطق الاقتصادي العديد منها، لكن القيادة السياسية العالمية باتت مترددة، مترددة، وأقل جرأة. ومن المؤكد أن تغير المناخ لن ينتظر إعادة تنظيم النظام الدولي.

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:


ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.