دراسة جامعة تل أبيب: أظهرت التسجيلات العصبية في السلاحف المتيقظة أن القشرة الظهرية تستجيب بقوة للتغيرات غير المتوقعة في البيئة حتى عندما تحرك السلحفاة رأسها أو عينيها، وتقوم بتصفية التغيرات الناتجة عن الحركة الذاتية بشكل شبه كامل - وهو تلميح إلى أن آليات الدماغ "المتقدمة" ظهرت في وقت مبكر يصل إلى 320 مليون سنة مضت.

تُعتبر السلحفاة حيوانًا غامضًا من عصور ما قبل التاريخ، يُذكّرنا بعصر الديناصورات. عادةً ما نفكر فيها من خلال درعها الصلب والمهيب أو حركتها البطيئة، لكن اتضح أن السلحفاة تُعلّمنا درسًا مهمًا في التاريخ: فقد كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة تل أبيب حول دماغ السلحفاة عن تطوراتٍ حدثت قبل مئات الملايين من السنين، وقدمت اكتشافًا مُذهلًا حول طريقة عمل الدماغ القديم: إذ إن القشرة البصرية للسلاحف قادرة على تحديد المحفزات البصرية غير المتوقعة بطريقةٍ مستقلة عن موقعها على الشبكية. هذه السمة كانت تُنسب حتى الآن فقط إلى القشرة الدماغية المتطورة للثدييات، بما في ذلك البشر. وبناءً على هذه النتائج، يُقيّم فريق البحث آليات دماغية متقدمة كان يُعتقد سابقًا أنها فريدة من نوعها للثدييات والبشر، على أنها كانت موجودة منذ مئات الملايين من السنين.
قاد الدراسة كل من ميلان بيكر، ونمرود لابيرشتاين، والدكتور مارك شين-إيدلسون، وهم باحثون. في قسم علم الأحياء العصبية في كلية جورج س. وايز لعلوم الحياة, وفي مدرسة بيربل لعلوم الأعصاب في جامعة تل أبيب. ونشرت الدراسة في مجلة Science Advances المرموقة.
بسرعة السلحفاة
انفصلت مجموعات السلاحف والثدييات عن سلف مشترك قبل حوالي 320 مليون سنة. ومنذ ذلك الحين، شهد دماغ الثدييات، وخاصة قشرته الدماغية، تطورات هائلة، فأصبح معقدًا وكبيرًا ومتشعبًا. أما دماغ السلحفاة، فيُعتبر أبسط وأقرب إلى دماغ سلف الزواحف والثدييات. لذا، عند اكتشاف آلية حسابية متطورة في دماغ سلحفاة، يُفترض أنها كانت موجودة بالفعل في أدمغة أولى الحيوانات القديمة التي وصلت إلى اليابسة.
ركز الباحثون في هذه الدراسة على القشرة الظهرية للسلحفاة، وهي منطقة تُعتبر نظيرة تطورية (لها تكافؤ بنيوي، أو أصل نمائي مشترك، أو تشابه جيني) لقشرة الثدييات. وباستخدام تسجيلات عصبية في حالة اليقظة وتتبع حركة العين، فحص الباحثون كيفية استجابة دماغ السلحفاة للمنبهات البصرية المتكررة مقابل المنبهات "غير المألوفة" التي تظهر في موقع غير متوقع في المجال البصري. وكانت النتائج مفاجئة.
يقول الدكتور شين إيدلسون: "كان الجزء الأكثر إثارة للدهشة هو ما لاحظناه عندما حرّكت السلحفاة رأسها أو عينيها. يُغيّر هذا التغيير موضع الصورة على الشبكية، وقد يُسبب تشويشًا في الجهاز البصري. لكن في السلاحف، ظلّت الاستجابة للمُحفّز المألوف وغير المألوف ثابتة، على الرغم من التغييرات المتكررة في زاوية الرؤية. ببساطة: يُدرك دماغ السلحفاة حدوث شيء جديد في البيئة، حتى لو رأت السلحفاة الصورة من زاوية مختلفة بحيث لا تقع على نفس المكان تمامًا في العين."
كما وُجد أن حركات السلحفاة نفسها، كتحريك رأسها أو عينيها، لا تُثير استجابة دماغية تُذكر، رغم أنها تُغير الصورة التي تراها العين بشكل كبير. في المقابل، يُنشط تغيير طفيف غير متوقع في البيئة الخارجية الدماغ بقوة. وهذا يدل على قدرة السلحفاة على التمييز بين المحفزات الناتجة عن حركتها الذاتية والمعلومات الجديدة التي تتطلب انتباهها.
نافذة فريدة على الماضي التطوري
بحسب الباحثين، تُغيّر هذه النتائج فهمنا لتطور الدماغ. فقبل ذلك، كان يُعتقد أن هذه الآليات المتقدمة لم تتطور إلا في مراحل متأخرة من التطور لدى الحمام، وأنها تظهر في أدمغة معقدة كأدمغة القردة والبشر. لكن الدراسة الجديدة تُقدّم صورة مختلفة: حتى في الأدمغة القديمة جدًا، كأدمغة أسلاف السلاحف، كانت هناك قدرة على تحديد الأحداث المهمة في البيئة.
يُقدّر الباحثون أن هذه القدرة ساعدت الحيوانات على فهم بيئتها المكانية، والتعلم، والبقاء على قيد الحياة في عالم متغير. واتضح أنه حتى بدون قشرة دماغية كبيرة ومعقدة، تمتلك السلاحف نظامًا ذكيًا يُدرك متى يحدث شيء مهم حقًا من حولها.
تُظهر الدراسة كيف تُشكّل أدمغة السلاحف نافذةً فريدةً على الماضي التطوري. فبما أن السلاحف والثدييات انفصلت عن سلف مشترك منذ مئات الملايين من السنين، فإن اكتشاف آليات دماغية متطورة لدى السلاحف يُشير إلى أن هذه القدرات كانت موجودة بالفعل في أقدم الأدمغة. وتُشير النتائج إلى أن القدرة على تحديد الأحداث الجديدة والمهمة في البيئة، دون التأثر بحركات الرأس والوعي الذاتي، تُعدّ إحدى الركائز الأساسية التي بُني عليها تطور أدمغتنا، كما يخلص الدكتور شين إيدلسون.
الدكتور مارك شين-إيدلسون باحثٌ رئيسي في كلية علم الأحياء العصبية والكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية، وكلية ساغول لعلوم الأعصاب في جامعة تل أبيب. يحمل شهاداتٍ عليا في الفيزياء والهندسة الكهربائية، وهو حاصل على منحةٍ من المجلس الأوروبي للبحوث. يركز الدكتور شين-إيدلسون في أبحاثه على تطور الحوسبة العصبية ومعالجة المعلومات الحسية باستخدام نماذج الزواحف، بهدف فهم المبادئ الحسابية الأساسية المشتركة بين الشبكات العصبية البيولوجية.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: