يقوم مختبر التصوير بالرنين المغناطيسي الجزيئي والتعلم الآلي في جامعة تل أبيب، والممول من قبل مؤسسة العلوم الإسرائيلية، بتطوير بروتوكولات التصوير بالرنين المغناطيسي وخوارزميات التعلم الآلي لتحديد العمليات المرضية حتى قبل ظهور التغيرات الهيكلية.
يُعتبر التصوير بالرنين المغناطيسي من أهم تقنيات التصوير في الطب، ولكنه في معظم الحالات يُظهر لنا شكل النسيج فقط، وليس ما يحدث فيه على المستوى الجزيئي. يسعى الدكتور أور بيرلمان، الباحث في كلية الهندسة الطبية الحيوية ومدرسة ساغول لعلوم الأعصاب بجامعة تل أبيب، إلى توسيع هذا النطاق. ويوضح الدكتور بيرلمان قائلاً: "نحن نعمل على تطوير أساليب كشف جديدة باستخدام أجهزة الرنين المغناطيسي، تُتيح لنا فهمًا أعمق لجسم الإنسان وأمراضه. نريد تحويل التصوير بالرنين المغناطيسي من أداة تصوير تشريحية إلى أداة تشخيص جزيئية مبكرة."
في الوضع الحالي، توفر معظم فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي معلومات أساسية عن البنية والوظيفة: شكل الأعضاء، ووجود الأورام، والوذمة أو النزيف، وأحيانًا حتى رسم خرائط للمناطق النشطة في الدماغ. ولكن على المستوى الخلوي والجزيئي، تبدأ العديد من الأمراض بتغيرات كيميائية دقيقة في تركيب الأنسجة قبل ظهور أي آفة يمكن رؤيتها بالعين المجردة بفترة طويلة. وهنا تبرز فكرة التصوير الجزيئي في الرنين المغناطيسي. باستخدام نفس الجهاز المألوف، وبنفس الفيزياء، ولكن ببروتوكولات مصممة مسبقًا لتكون حساسة للبيئة الجزيئية والعمليات الأيضية المبكرة.
والسؤال هو: هل سيساهم التصوير الجزيئي في التصوير بالرنين المغناطيسي في المستقبل في التشخيص المبكر وفهم أفضل لآليات مرض التصلب المتعدد؟
تبدأ العملية بدراسة فيزياء الإشارة. يطور بيرلمان وفريقه تسلسلات محددة من النبضات الراديوية والمجالات المغناطيسية التي تحفز اللف المغزلي النووي في الأنسجة بطريقة تعتمد بشكل كبير على خصائصها المغناطيسية. على سبيل المثال، تتصرف الأنسجة الملتهبة بشكل مختلف عن الأنسجة السليمة؛ فالمنطقة التي تغيرت فيها كثافة الخلايا أو تسارع فيها التمثيل الغذائي ستنتج إشارة مختلفة. من منظور جهاز التصوير، تكون الإشارة الناتجة معقدة ومشوشة، وتبدو للوهلة الأولى وكأنها "مجرد صورة رنين مغناطيسي عادية"، لكنها في الواقع تحمل في طياتها معلومات قيّمة عن حالة الأنسجة. "نستخدم فيزياء الجهاز للكشف ليس فقط عن البنية، بل أيضًا عن العمليات الحيوية."
لفك شفرة هذه الإشارة المعقدة، تُدمج خوارزميات التعلم الآلي في البحث. يُنشئ المختبر نسخًا رقمية للدماغ استنادًا إلى نماذج فيزيائية، كما يجمع كميات هائلة من البيانات من نماذج الأمراض ما قبل السريرية التي تُعرف فيها "الحقيقة البيولوجية" - أي المناطق السليمة، والمناطق المصابة، ودرجة الإصابة. تتعلم أنظمة التعلم الآلي ربط أنماط الإشارة بحالة الأنسجة، مُنشئةً ما يُشبه "قاموسًا" يُترجم بصمات التصوير بالرنين المغناطيسي المعقدة إلى مؤشرات بيولوجية. بعد هذا التدريب، يُمكن إدخال مسح جديد والحصول على تقييم كمي لخصائص الأنسجة، مما قد يُشير إلى ما إذا كانت عملية مرضية قد بدأت في منطقة معينة، حتى في حال عدم ظهور أي تغييرات هيكلية واضحة.
إن الجمع بين الفيزياء والتعلم الآلي والتجارب ما قبل السريرية يضع التصوير بالرنين المغناطيسي على أعتاب دور جديد: ليس مجرد لقطة سريعة لما يبدو عليه الأمر، بل نافذة مبكرة على ما يحدث بالفعل داخل الأنسجة، حتى قبل أن يندلع المرض بكامل قوته.
يتمثل أحد الأهداف العملية للمشروع في تقليل الاعتماد على عوامل التباين القائمة على الغادولينيوم، والتي تُستخدم حاليًا بشكل شائع في بعض فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي، ولكنها تثير تساؤلات تتعلق بالسلامة، لا سيما عند تكرار الفحوصات. إذا أمكن استخلاص المعلومات الجزيئية من إشارة الماء والأنسجة نفسها، بمساعدة بروتوكولات ذكية وخوارزميات متطورة، فسيكون من الممكن الحصول على تشخيص أسرع وأكثر دقة دون إثقال كاهل المريض بعوامل تباين إضافية.
يركز هذا البحث، الممول من المؤسسة الوطنية للعلوم، على التصلب المتعدد، ويتضمن تعاونًا وثيقًا مع الأطباء والباحثين في مجال الدماغ. وقد حُددت الأسئلة السريرية مسبقًا في مرحلة التخطيط: هل يهدف البحث إلى تحديد بؤر الالتهاب الصغيرة، ومراقبة الاستجابة للعلاج، والتمييز بين أنواع الآفات، أم الكشف المبكر عن الأمراض التنكسية؟ في الوقت نفسه، تُؤخذ في الاعتبار قيود استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي: مدة فحص معقولة، وراحة المريض، والحاجة إلى مخرجات واضحة، لا مجرد خرائط معقدة، للباحثين. لا يقتصر الهدف على تحقيق إنجاز فيزيائي-حسابي مذهل فحسب، بل يتعداه إلى تطوير عملية يمكن دمجها في الممارسة السريرية الروتينية مستقبلًا.
يأمل بيرلمان، على المدى البعيد، أن يصبح التصوير الجزيئي بالرنين المغناطيسي جزءًا من أدوات الطب الدقيق، ما يتيح التشخيص المبكر، وتصميم العلاج بما يتناسب مع الخصائص البيولوجية للأنسجة، وفهمًا أعمق لآليات الأمراض في الدماغ والأعضاء الأخرى. إن الجمع بين الفيزياء والتعلم الآلي والتجارب ما قبل السريرية يضع الرنين المغناطيسي على أعتاب دور جديد: ليس مجرد لقطة لما يبدو عليه النسيج، بل نافذة مبكرة على ما يحدث فعلاً داخله، حتى قبل أن يتفاقم المرض.
يقود البحث طالبة الدراسات العليا روث بن حاييم والباحثة الدكتورة ميخال ريفلين.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: