حدد باحثون إسرائيليون ما لا يقل عن 28 دائرة حجرية كبيرة إضافية حول الموقع المعروف باسم "ستونهنج إسرائيل"، مما يشير إلى أنه قد يكون جزءًا من مشهد ثقافي وزراعي واجتماعي أوسع من فترة ما قبل التاريخ.

لعقود طويلة، اعتُبرت رُجم الهيري في هضبة الجولان واحدة من أكثر المواقع الأثرية غرابةً وغموضًا في جنوب بلاد الشام. وكثيرًا ما لُقّبت بـ"ستونهنج إسرائيل"، إذ نُظر إلى الموقع على أنه بناء فريد من نوعه: تل حجري مركزي، يبلغ ارتفاعه حوالي خمسة أمتار وقطره عشرين مترًا، محاط بأربع حلقات متحدة المركز من حجر البازلت، بقطر إجمالي يتجاوز 150 مترًا. إلا أن دراسة جديدة، نُشرت في 18 مارس 2026 في مجلة PLOS One، تُقدّم الآن صورة مختلفة تمامًا: فرُجم الهيري ليس شذوذًا معزولًا في المشهد الطبيعي، بل هو الموقع الأكثر إثارة للإعجاب ضمن مجمع إقليمي أوسع بكثير من الدوائر الحجرية الكبيرة.
استندت الدراسة، التي قادها الدكتور ميخال بيركنفيلد من جامعة بن غوريون في النقب، إلى مزيج من صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، والنماذج الجيوفيزيائية، والتحليل المكاني المقارن. استخدم الباحثون قاعدة بيانات صور جُمعت على مدى عقدين، بين عامي 2004 و2024، من مصادر مثل جوجل إيرث برو، والمركز الوطني للدراسات الفضائية/إيرباص، ومجموعة أقمار الثريا الصناعية، وأجروا التحليل باستخدام برنامج ArcGIS Pro وأداة ArcPy. وفي إطار هذا العمل، حُددت 28 بنية دائرية كبيرة ضمن دائرة نصف قطرها حوالي 25 كيلومترًا من روجوم الهيري، لم يسبق توثيق معظمها في مسوحات أثرية منظمة.
نمط معماري مميز
تشير المقالة إلى أن هذه ليست مجموعة عشوائية من العجلات الحجرية، بل نمط معماري مميز. بُنيت معظم الهياكل المكتشفة من أحجار البازلت المحلية، ويتراوح قطرها عادةً بين 50 و250 مترًا، بجدران خارجية سميكة يتراوح عرضها بين مترين وثلاثة أمتار، وأحيانًا تحتوي أيضًا على فواصل داخلية أو جدران شعاعية أو حلقات داخلية إضافية. لم يُحفظ الكثير منها إلا جزئيًا، ولذلك يصعب تحديدها من الأرض. إن الرؤية الجوية متعددة المواسم، في ظروف إضاءة مختلفة ومن زوايا شمس مختلفة، هي التي تكشف عن شكلها. ويشير الباحثون إلى أن بعض المواقع لا تظهر بوضوح إلا في صور موسم الجفاف أو في الإضاءة الخافتة، وهو ما يفسر سبب عدم توثيقها حتى الآن.بلوس)

من أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة تحديد مواقع الدوائر في المنطقة. يقع معظمها على منحدرات لطيفة أو هضاب صغيرة، بالقرب من قنوات مائية موسمية، وعادةً ما تكون جزءًا من أنظمة أوسع تشمل جدران الحقول، والحظائر الزراعية، وأحيانًا حقول الدولمن. ووفقًا للباحثين، يشير هذا السياق إلى أن هذه الهياكل لم تُستخدم كمواقع احتفالية معزولة فحسب، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من أنماط حياة المجتمعات الرعوية الزراعية القديمة. وربما كانت بمثابة نقاط تجمع موسمية، أو علامات حدودية، أو مواقع ذات وظائف طقوسية واجتماعية. بعبارة أخرى، بدلًا من اعتبار روجوم الحري لغزًا لم يُكتشف من قبل، تقترح الدراسة فهمه كجزء من نظام إقليمي لتنظيم المساحة والموارد والحركة في المنطقة.
ربما ليس مرصدًا
تُلقي هذه النتائج بظلالها على إحدى أشهر الفرضيات حول الموقع: فكرة أن رُجم الهيري كان مرصدًا فلكيًا قديمًا. تشير المقالة إلى أنه لسنوات، أُعطيت أهمية خاصة للمدخل الشمالي الشرقي للموقع، الذي اعتبره بعض الباحثين متوافقًا مع شروق الشمس في الانقلاب الصيفي. مع ذلك، تُظهر دراسات أحدث، اعتمد عليها مؤلفو المقالة الجديدة أيضًا، أن الموقع والصخور المحيطة به قد خضعت لدوران تكتوني تراكمي على مدى آلاف السنين. لذا، فإن الاتجاهات المقاسة اليوم ليست بالضرورة هي الاتجاهات الأصلية التي بُنيت فيها الجدران والفتحات. وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أنه بات من الواضح الآن أن الموقع ليس فريدًا من نوعه، فإن التفسير الذي يعتبره مرصدًا فلكيًا فريدًا يضعف أكثر.
أُعدّت هذه الدراسة من قِبل الدكتورة ميخال بيركنفيلد، والدكتورة أولغا خاباروفا من جامعة لوكسمبورغ، والبروفيسور ليف أبيلباوم من جامعة تل أبيب وجامعة أذربيجان للبترول والصناعة، وأوري بيرغر من جامعة بن غوريون وهيئة الآثار الإسرائيلية. وبالإضافة إلى أهميتها في فهم موقع روجوم الهيري نفسه، تُبيّن الدراسة كيف تُغيّر تقنيات الاستشعار عن بُعد علم الآثار اليوم: فلم يعد يعتمد حصراً على ما يُمكن رؤيته في المسح الميداني، بل على مزيج من الأقمار الصناعية، ومعالجة الصور، والطبقات الزمنية، والتحليل البيئي، مما يُتيح الكشف عن أنماط إقليمية كاملة. وفي حالة هضبة الجولان، يعني هذا أنه من المُحتمل أن تكون هناك شبكة أوسع من الآثار القديمة لا تزال مخفية تحت أعيننا، أو بالأحرى فوقها، في انتظار اكتشافها.
للمقال فيبلوس
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
تعليقات 2
انظر إلى صورة هذا الاكتشاف المذهل. في رأيي، لو عُثر على المزيد من العجلات، لكانت مجرد حظائر للماشية.
شكرا للاهتمام