في مختبر جديد في مستشفى دانا دواك للأطفال في إيخيلوف، تعمل الدكتورة نعومي بودا شاكيد على تطوير نماذج قائمة على الخلايا الجذعية، وأعضاء مصغرة، وأنابيب دقيقة لفهم أمراض الكلى الخلقية واختبار العلاجات الموجهة للأطفال والرضع الخدج.
قبل نحو عام ونصف، عادت الدكتورة نعومي بودا شاكيد، أخصائية أمراض الكلى لدى الأطفال والباحثة الرائدة، إلى إسرائيل بعد فترة تدريب في مستشفى سينسيناتي للأطفال في ولاية أوهايو. وانضمت إلى مستشفى دانا دواك للأطفال في مركز سوراسكي الطبي في تل أبيب (إيخيلوف)، بهدف تحقيق رؤية طموحة: إنشاء مختبر أبحاث مستقل، يركز على دراسة أمراض الكلى الخلقية باستخدام نماذج تعتمد على الخلايا الجذعية وأعضاء بشرية المنشأ.
عند ولادة الإنسان، تكون عملية تكوين النيفرونات - وهي الوحدات الوظيفية الأساسية للكلى - قد اكتملت تقريبًا. وتوضح الدكتورة بودا شاكيد قائلةً: "يُفترض أن يكون عدد النيفرونات، الذي يتحدد بين الأسبوعين الرابع والثلاثين والسادس والثلاثين من الحمل، كافيًا للإنسان طوال حياته". أي خلل في نمو الكلى خلال الحياة الجنينية قد يُسبب تشوهات خلقية في الكلى والجهاز البولي. بينما يُعدّ مرض السكري السبب الرئيسي للفشل الكلوي لدى البالغين، فإن التشوهات الخلقية في الكلى والجهاز البولي، بالإضافة إلى العديد من الأمراض الوراثية، تُعدّ السبب الرئيسي للفشل الكلوي في مراحله النهائية لدى الرضع والأطفال. وتضيف: "استراتيجيتا العلاج المعتمدتان حاليًا للفشل الكلوي في مراحله النهائية - غسيل الكلى أو زراعة الكلى - هما نهجان علاجيان عامان لا يستهدفان سبب المرض، كما أنهما غير مُخصّصين، وينطوي كل منهما على مخاطر كبيرة وآثار جانبية خطيرة". لذلك، فإن فهمًا أفضل للعمليات التي تُسبب خللًا في النمو الطبيعي للكلى قد يُؤدي إلى تطوير علاجات أكثر أمانًا ودقة.
تُعدّ فئة الأطفال الخدّج من الفئات الأكثر عرضةً للخطر. وتوضح الدكتورة بودا-شاكيد قائلةً: "بما أن الأطفال الخدّج يولدون قبل اكتمال تكوين النيفرونات، فإنهم يبدأون حياتهم باحتياطي كلوي أقل، وبالتالي يكونون أكثر عرضةً لأمراض الكلى لاحقًا". ومن بين طموحاتها وطموحات فريقها في المختبر البحثي إيجاد تدخلات علاجية أو غذائية جديدة، حتى خلال الحياة الجنينية، لتحسين نضج الكلى النامية، وبالتالي جعلها مقاومة للإصابات التي يتعرض لها الأطفال الخدّج بعد الولادة. وهذا يشبه إلى حد ما الطريقة التي يُسهم بها إعطاء هرمون السورفاكتانت في تسريع نضج الرئتين.
السؤال هو: كيف يمكن تطوير علاجات شخصية لأمراض الكلى الخلقية؟
الهدف: العلاج الشخصي بفضل النماذج القائمة على العضيات
يفشل ما يقارب 90% من الأدوية الجديدة قيد التطوير، والتي تجتاز بنجاح مرحلة الاختبارات ما قبل السريرية (أي على حيوانات المختبر)، في الوصول إلى التجارب السريرية على البشر. ويعود ذلك في الغالب إلى الاختلافات بين فئران المختبر وجسم الإنسان. ويشير الدكتور بودا-شاكيد إلى أنه "لذلك، أرى إمكانات هائلة في نماذج البحث القائمة على الإنسان، مثل الخلايا الجذعية والعضيات". وتُعد العضيات، وهي نسخ مصغرة من أعضاء الإنسان تُنتج في المختبر من الخلايا الجذعية، في طليعة أبحاث الخلايا الجذعية، وقد أدت بالفعل إلى عدد من الإنجازات العلمية في مختلف المجالات الطبية.
فهم أساسيات مرض AR-RTD
على سبيل المثال، نجحت الدكتورة بودا-شاكيد مؤخرًا في حل لغزٍ شغل الأطباء والباحثين لسنوات: فهم أساس مرض كلوي وراثي يُعرف باسم خلل تكوين الأنابيب الكلوية (AR-RTD). هذا متلازمة وراثية نادرة ومميتة تؤثر على تكوين أحد أجزاء النفرون خلال الحياة الجنينية، مما يؤدي عادةً إلى الوفاة في الأسابيع والأشهر الأولى من العمر. طورت الدكتورة بودا-شاكيد نموذجًا مبتكرًا للمرض، قائمًا على عضيات ثلاثية الأبعاد. وباستخدامه، تمكنت من إثبات أن الطفرات الجينية المسببة للمرض تؤدي إلى تأخير في إفراز عامل نمو مهم (VEGFA) ضروري لتكوين ونمو الأوعية الدموية لدعم نمو الكلية الجنينية. بعبارة أخرى، وجد الباحثون أن الكلية في هذا المرض لا تتلقى ما يكفي من "التغذية"، وتتضرر تحديدًا في مرحلة حرجة من نمو الجنين. نُشرت نتائج الدراسة مؤخرًا في مجلة علمية مرموقة. طبيعة الاتصالات. "نسعى الآن إلى ترجمة نتائج البحث إلى تطوير علاجات مبتكرة وموجهة لمرض الكلى المقاوم للعلاج، الذي يصيب الرضع في إسرائيل - سواء من الشتات البدوي أو من غيرهم. علاوة على ذلك، نطبق الرؤى المكتسبة من البحث لتحقيق إنجازات مماثلة في علاج اضطرابات وراثية أخرى تسبب الفشل الكلوي لدى الرضع والأطفال"، كما أوضحت الدكتورة بودا شاكيد.
تكمن فرادة المختبر في الربط الوثيق بين البحث الأساسي والعمل السريري. "نجمع عينات بول من مرضانا في العيادة، ومنها ننمي نماذج ثلاثية الأبعاد تُسمى الأنابيب الكلوية في المختبر، تحاكي أجزاءً من بنية النفرون. تكمن الميزة الكبرى في أن هذه النماذج تحتوي على التركيب الجيني الفريد لكل مريض، ما يُتيح لنا معرفة الخلل الذي حدث في عملية نمو الكلية في حالته تحديدًا. وهذا لا يسمح لنا فقط بفهم آلية المرض بشكل أفضل، بل يُتيح لنا أيضًا اختبار أدوية مختلفة على النموذج في المختبر وتطوير علاجات مُخصصة. بمعنى آخر، نُحضر المريض "إلى المختبر" لنُخرج منه حلولًا علاجية مُحسّنة."
نقوم بجمع عينات البول من مرضانا في العيادة، ومنها نقوم بتنمية نماذج ثلاثية الأبعاد تسمى الأنابيب الكلوية في المختبر، والتي تحاكي أجزاء من بنية النفرون. وتكمن الميزة الكبرى في أن هذه النماذج تحتوي على التركيب الجيني الفريد لكل مريض، مما يسمح لنا بمعرفة ما حدث بالضبط من خلل في عملية نمو الكلية في حالته الخاصة.
أهمية الأطباء الباحثين
تنتمي الدكتورة بودا-شاكيد إلى فئة مميزة ومحدودة من الأطباء الباحثين. تقول: "كنت أعلم منذ دراستي للطب أنني كطبيبة لن أكتفي بتقديم العلاجات الحالية، أو الاكتفاء بالمعرفة الطبية المتوفرة في الكتب". والآن، تُقسّم الدكتورة بودا-شاكيد وقتها بين مختبرها البحثي وعملها السريري في وحدة أمراض الكلى للأطفال، محققةً بذلك حلمها الذي راودها منذ أيام دراستها. وتضيف: "تكمن ميزة الأطباء الباحثين في اطلاعهم المباشر على المشكلات والثغرات التي يواجهها المرضى، وقدرتهم على دراسة المشكلة نفسها في المختبر، والبحث عن حل لها، ثم تطبيقه على المريض".
من جهة أخرى، يواجه الأطباء الباحثون تحديات جمة. إذ يتوجب عليهم التوفيق بين أعباء المهام السريرية وإدارة مختبر الأبحاث. علاوة على ذلك، عليهم التنافس على فرص الحصول على منح بحثية مع باحثين متفرغين للبحوث الأساسية. لهذا السبب، أنشأت المؤسسة الوطنية للعلوم منحة "مابريا" المرموقة ضمن مسار بدء المشاريع للأطباء الباحثين، وقد كانت الدكتورة بودا-شاكيد من بين خمسة فائزين تم اختيارهم في الدورة الأولى. وتقول الدكتورة بودا-شاكيد: "إن مثل هذه الفرص لدعم هذا النوع من الأبحاث التي نجريها نادرة نسبياً، وأنا ممتنة لدعم منحة "مابريا".
فريق نسائي والجمع بين المنزل والعمل
تقول الدكتورة بودا-شاكيد: "يتكون فريق مختبري حاليًا بالكامل من النساء، وهي نتيجة محض صدفة ولكنها ملهمة. أرى بحثي بمثابة رسالة. فالهدف ليس فقط فهم آليات جديدة، بل القدرة على ترجمة هذه الاكتشافات إلى علاجات تُفيد مرضانا حقًا."
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: