وجدت دراسة طولية أجريت على 123 أماً خلال الأشهر الأولى من حرب أكتوبر 2023 أن العلاقة بصعوبات الطفل كانت مرتبطة في المقام الأول بإرهاق الوالد الذي يرعى المنزل، وليس فقط بتجنيد الزوج في الخدمة الفعلية.
خلال الحروب الطويلة، تعيش العديد من الأسر تحت وطأة التوتر وعدم اليقين والإرهاق المتراكم. وقد كشفت دراسة طولية حديثة أن الرابط الأساسي لتزايد الصعوبات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال لا يقتصر على وجود أحد الزوجين في الخدمة العسكرية، بل يرتبط بدرجة الإرهاق التي يعاني منها مقدم الرعاية المقيم في المنزل مع مرور الوقت. فعندما يتمكن مقدم الرعاية من الحفاظ على حضوره العاطفي واستقراره النفسي، يميل الأطفال إلى التكيف بشكل أفضل حتى في ظل بيئة مهددة. وعلى النقيض، عندما يصل أحد الوالدين إلى أقصى طاقته، أو يصبح منعزلاً عاطفياً، أو يُنهك من متطلبات الأبوة والأمومة المتواصلة خلال الأزمات، يزداد احتمال تفاقم أعراض القلق والعدوانية والشكاوى الجسدية غير المبررة لدى الأطفال.
أُجريت الدراسة، المنشورة في مجلة أبحاث الطب النفسي، من قِبل الدكتور مور كلاينيكوف والبروفيسورة دانا لاسري من الجامعة العبرية، بالتعاون مع البروفيسورة نوغا كوهين والدكتورة جوي بينتوف من جامعة حيفا، والبروفيسورة راوما غادسي بولك من جامعة بار إيلان. ويؤكد الباحثون أن الإرهاق الأبوي ليس مجرد "شعور عام بالتعب"، بل هو عملية قد تُضعف قدرة الوالدين على أن يكونوا سندًا عاطفيًا لأبنائهم، تحديدًا في اللحظات التي يكونون فيها بأمس الحاجة إليه.
الإرهاق الأبوي كـ"جسر" بين ضغوط الوالدين وصعوبات الطفل
بحسب الدكتور كلاينيكوف، يعمل الإرهاق الأبوي كوسيط بين ظروف الحرب الضاغطة وحالة الأطفال. ببساطة، قد يُضيف الانتشار العسكري ضغطًا على الأسرة، لكن ما يُحدد إلى حد كبير تأثير هذا الضغط على الطفل هو حالة الوالد المُعيل الرئيسي في المنزل. فعندما يتمكن الوالد من الحفاظ على روتين يومي، والتأقلم مع الواقع المُعقد، والحفاظ على رابطة عاطفية دافئة، يحصل الأطفال على "شبكة أمان" داخلية. أما عندما يُصاب الوالد بالإرهاق، تضعف هذه القدرة، ويشعر الطفل بالعاصفة داخل المنزل أيضًا.
هكذا أجرى الباحثون الاختبار: 123 أماً، في فترتين زمنيتين
لفهم كيفية تطور الضغوط الأسرية بمرور الوقت، تابعت الدراسة 123 أمًا إسرائيلية خلال الأشهر السبعة الأولى من حرب إسرائيل وحماس التي اندلعت في أكتوبر 2023. جُمعت البيانات في فترتين زمنيتين: في بداية الحرب، وقرب انطلاقها، ثم مرة أخرى بعد حوالي ستة أشهر. سمح تصميم هذه الدراسة للباحثين ليس فقط بأخذ صورة سريعة، بل بتحديد الاتجاهات: من تتدهور حالتها أكثر مع مرور الوقت، ومن تستقر حالتها، وما هي العلاقة بين التغير في الإرهاق النفسي وأداء الأطفال.
مثّلت الأمهات عائلات متنوعة، وأفادت حوالي 28% منهن بأن أزواجهن قد تمّ انتدابهم للخدمة العسكرية. ولتقييم حالة الأطفال، قامت الأمهات بتعبئة استبيانات مفصلة حول سلوك أطفالهن، مع تدوين علامات مثل العدوانية والقلق والشكاوى الجسدية (مثل آلام المعدة دون تفسير طبي واضح).
اكتشاف مثير للدهشة: من يضعف أكثر مع مرور الوقت؟
كان من أبرز النتائج تغير نمط الإرهاق بين مجموعتي الأمهات. ففي بداية الفترة، أبلغت الأمهات اللواتي كان أزواجهن في الخدمة العسكرية عن مستويات أعلى من الإرهاق، وهو أمر متوقع عندما تواجه الأسرة في الوقت نفسه ويواجه أفرادها ضغوط الحرب والانفصال المستمر داخل المنزل. إلا أنه لاحقاً، استقرت مستويات الإرهاق لديهن.
في المقابل، ازداد الإرهاق لدى الأمهات اللواتي لم يُستدعَ أزواجهن للخدمة العسكرية مع استمرار الحرب. أي أنه حتى عندما يكون كلا الوالدين في المنزل، فإن الوضع الراهن، والعبء المتراكم، والصراع اليومي مع "الروتين الطارئ" قد يُنهك الوالد المُعتني لدرجة تؤثر على الأطفال.
يقدم الباحثون تفسيراً محتملاً لهذه الظاهرة: إذ تتلقى أسر أفراد الاحتياط والخدمة النظامية أحياناً دعماً أكثر تخصيصاً، كتعويضات رعاية الأطفال، وأنظمة مساعدة متخصصة، وموارد للصحة النفسية. في المقابل، تُجبر العديد من الأسر المدنية على التعامل مع ضغوط مستمرة، واضطراب في الروتين اليومي، وقلق دائم، دون وجود شبكة أمان مماثلة.
الرسالة: دعم مقدم الرعاية هو حماية للطفل
تتضح الآثار العملية لهذه النتائج: إذا أردنا تعزيز قدرة الأطفال على الصمود خلال الأزمات، فعلينا الاستثمار ليس فقط في تدابير الحماية الجسدية أو في دعم الأطفال أنفسهم، بل أيضًا في دعم الوالدين. فالتربية خلال الأزمات تتطلب قدرة تحمل عالية. وعندما يستنزف الوالدان طاقتهما العاطفية، تتضاءل قدرتهما على القيام بدور الدعم والتوجيه والتنظيم للأطفال. لذا، فإن دعم الصحة النفسية لمقدمي الرعاية ليس ترفًا، بل هو عنصر وقائي قد يكون له أثر بالغ في حماية رفاهية الأطفال.
وكما خلص الباحثون، ينبغي أن تهدف برامج الدعم إلى استعادة "رأس مال التعافي" لدى الآباء - الموارد العاطفية والعملية التي تسمح لهم بالبقاء حاضرين من أجل أطفالهم، حتى عندما يكون الواقع الخارجي مضطربًا.
المزيد عن هذا الموضوع على موقع العلوم