مقال تاريخي بقلم آفي بيليزوفسكي من عام 1997 حول أجهزة الكمبيوتر الضوئية، في نسخة مُرممة ومحدثة، مع نظرة إلى الوراء على مكانة الفوتونيات في الحوسبة الحديثة.
في تسعينيات القرن الماضي، بدا أن عالم الحوسبة على وشك تحقيق قفزة نوعية. فقد انتشر الحاسوب الشخصي بسرعة، وبدأ الإنترنت ينتشر من الأوساط الأكاديمية إلى عامة الناس، ودفع مصنّعو الرقائق الإلكترونية الدقيقة إلى آفاق جديدة. وعلى خلفية هذا النجاح، تطلع العديد من الباحثين إلى ما وراء الأفق، متسائلين عما سيأتي بعد السيليكون. وكان من بين أكثر الإجابات إثارة للاهتمام الحاسوب الضوئي: حاسوب لا يعتمد على الإلكترونات والتيار الكهربائي، بل على الضوء.
ثم طور الباحثون تقنيات مصممة لتمكين بناء حواسيب ضوئية فائقة السرعة. في اليابان، على سبيل المثال، اعتبروا هذا المجال هدفًا استراتيجيًا. فإذا كانت الإلكترونيات مرتبطة بعلوم القرن العشرين، فقد اعتقد البعض أن البصريات ستكون علوم القرن الحادي والعشرين. وراء هذا التصريح فكرة بسيطة: مع ازدياد سرعة الحواسيب، يزداد التساؤل إلحاحًا حول مدى إمكانية تسريع الأنظمة القائمة على التيار الكهربائي، والأسلاك الكثيفة، والترانزستورات الصغيرة المتراصة على شريحة واحدة.
لم تُرسَخ أسس المعالجة الضوئية في تسعينيات القرن الماضي، بل وُضِعت منذ الحرب العالمية الثانية، في أبحاث معالجة إشارات الرادار. لاحقًا، بُنيت أنظمة تجمع بين البصريات والإلكترونيات، وفي عالم الحواسيب، كانت واجهات الربط بين هاتين التقنيتين موجودة بالفعل، كما في وسائط التخزين الضوئية. مع ذلك، ازداد الاهتمام بالضوء كأساس للحواسيب المستقبلية، لا سيما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما توقع الباحثون أن الأجهزة الإلكترونية الدقيقة قد تقترب قريبًا من حدود قدراتها.
لكنّ الإلكترونيات نفسها فاجأت الجميع. فقد تمكّن مصنّعو الرقائق من مواصلة تحسين المعالجات، وحشر المزيد من الترانزستورات فيها، وزيادة سرعتها. وهكذا، بدلاً من ثورة مفاجئة يفسح فيها الحاسوب الإلكتروني المجال للحاسوب الضوئي، بدأ يظهر اتجاه وسيط: مزيج من البصريات والإلكترونيات. كانت الاتصالات عبر الألياف الضوئية القائمة على الضوء عمليةً بالفعل في ذلك الوقت، لذا حاول الباحثون بناء حواسيب إلكترونية متوازية تستخدم الضوء لتحسين أداء النظام. ركّز البحث على إيجاد واجهات بين الإلكترونيات الدقيقة والفوتونيات، من خلال تطوير أجهزة إرسال واستقبال الضوء، ومكوّنات قادرة على ترجمة المعلومات الإلكترونية إلى إشارات ضوئية والعكس.
مع ذلك، لم يتم التخلي عن الرؤية الأكثر طموحًا. فإذا كان الترانزستور هو قلب الحاسوب الإلكتروني، فإن الحاسوب الضوئي سيحتاج إلى ما يُعادله ضوئيًا: مفتاح ضوئي. وكما يعتمد الترانزستور الكهربائي على نقل التيار الكهربائي أو منعه، كان من المفترض أن يعتمد المفتاح الضوئي على نقل الضوء أو منعه. تبدو الفكرة بسيطة، لكن تطبيقها كان بالغ التعقيد. فلبناء حاسوب ضوئي حقيقي، لن يكفي مفتاح واحد، بل ستكون هناك حاجة إلى معالجات ضوئية دقيقة كاملة، يحتوي كل منها على عدد هائل من المفاتيح الضوئية الصغيرة. وهنا، كان البحث قد لامس بالفعل مجالًا بدا في ذلك الوقت أشبه بالخيال العلمي.
تطلّب بناء هذه الأجهزة موادّ خاصة، وعملت العديد من المختبرات على تطويرها. ومن أبرز هذه التوجهات استخدام هياكل تُعرف اختصارًا بـ MQW، أي الآبار الكمومية المتعددة. وكان الهدف هو استغلال الخصائص الفيزيائية الفريدة للطبقات الرقيقة جدًا لبناء أجهزة تستجيب للضوء وتتحكم فيه، وربما في المستقبل تعالج المعلومات باستخدامه. وإذا أمكن بالفعل إنتاج مفاتيح ضوئية متناهية الصغر بأعداد هائلة، فسيكون من الممكن تخيّل حواسيب تعمل بسرعات فائقة وبأنماط اتصال جديدة.
لم تقتصر إحدى المزايا النظرية الكبرى للحاسوب الضوئي على السرعة فحسب، بل شملت أيضًا البنية. ففي الأنظمة الإلكترونية التقليدية، عندما تعمل المعالجات أو المكونات بالتوازي، يكون التواصل بينها محدودًا نسبيًا ويعتمد أساسًا على روابط محددة مسبقًا. أما في النظام الضوئي، فمن الممكن، من حيث المبدأ على الأقل، توفير اتصال أكثر مرونة بين المكونات البعيدة. ولذلك، اعتقد رواد هذا المجال أن الحواسيب الضوئية لا تستطيع فقط إجراء العمليات الحسابية بسرعة أكبر، بل يمكنها أيضًا إعادة تنظيم طريقة تدفق المعلومات داخل الحاسوب.
بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على نشر المقال الأصلي، يمكننا أن نتساءل عما تحقق من كل ذلك. الإجابة معقدة. فمن جهة، لم يصبح الحاسوب الضوئي العام، الذي كان من المفترض أن يحل محل الحاسوب الإلكتروني، واقعًا ملموسًا. وحتى اليوم، لا تزال معظم عمليات المنطق والذاكرة والتحكم في الحواسيب تتم إلكترونيًا. لم يتم استبدال الترانزستور، ولم يختفِ السيليكون من المشهد. وبهذا المعنى، كان التنبؤ بثورة شاملة سابقًا لأوانه.
من ناحية أخرى، كان التوجه الأساسي صحيحًا. فقد اكتسب الضوء بالفعل مكانة متزايدة الأهمية في أنظمة الحوسبة الحديثة، ولكن ليس في المكان الذي توقعه الكثيرون في تسعينيات القرن الماضي. فبدلًا من أن يحل الضوء محل المعالج المركزي، توغل بشكل رئيسي في مجالات الاتصالات عالية السرعة: بين الرقائق، وبين المعالجات، وبين الخوادم، وبين الأنظمة في مراكز البيانات. ومع تزايد حجم البيانات، واحتياج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى نقل أسرع للمعلومات بين مكوناتها، يتضح جليًا أن العائق الرئيسي ليس دائمًا عملية الحوسبة نفسها، بل حركة البيانات المحيطة بها. وهنا، يتمتع الضوء بميزة واضحة.
بمعنى آخر، ما تحقق ليس حاسوبًا ضوئيًا بحتًا، بل حوسبة هجينة. لا تزال الإلكترونيات تقوم بمعظم عمليات المعالجة، لكن الفوتونيات تساعدها على التغلب على قيود السرعة والحرارة والطاقة والاتصال. قد يبدو هذا أقل إثارة من الحلم الأصلي بـ"حاسوب ضوئي"، لكنه من الناحية العملية يُعد تطورًا بالغ الأهمية. لم يتخلَّ العالم عن الترانزستور، ولم يتخلَّ عن الضوء أيضًا. بدلًا من الاختيار بينهما، يتعلم كيفية الجمع بينهما.
لذا، فإن مقالة عام 1997 لا تقتصر أهميتها اليوم على كونها وثيقة تاريخية فحسب، بل هي أيضاً تذكيرٌ بكيفية تطور العلوم والتكنولوجيا فعلياً. أحياناً تتحقق الرؤية كما وُصفت تماماً، وأحياناً أخرى تتغير ملامحها مع مرور الوقت. في حالة الحاسوب الضوئي، لم يتبدد الوعد، بل وجد مساراً مختلفاً. لم تكن ثورة شاملة تمحو الإلكترونيات، بل توغلاً تدريجياً للفوتونيات في صميم البنية التحتية الحاسوبية للعصر الجديد. بهذا المعنى، يمكن القول إن التنبؤ كان صحيحاً، ولكن بوتيرة مختلفة، وبشكل مختلف عما بدا عليه في عام 1997.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: