أظهرت نتائج أولية من جامعة تل أبيب أن التحفيز الدماغي غير الجراحي الذي يركز على الحصين يقلل من الذكريات المتطفلة لدى مرضى اضطراب ما بعد الصدمة.

أظهرت دراسة تجريبية نُشرت في مجلة "تحفيز الدماغ" أن العلاج بالتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) المُخصّص والمُعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، والذي يُعطى مباشرةً بعد تنشيط الذاكرة الصادمة خلال مرحلة إعادة التثبيت، قد قلل من ذكريات الماضي المؤلمة والأفكار المتطفلة لدى عشرة مشاركين - ولكن هناك حاجة إلى تجارب سريرية كبيرة ومضبوطة للتحقق من صحة هذه النتائج.

اضطراب ما بعد الصدمة. صورة توضيحية: depositphotos.com
ما بعد الصدمة. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

يُصيب اضطراب ما بعد الصدمة ملايين الأشخاص حول العالم، من جنود وضحايا الإرهاب وحوادث السيارات والعنف. ورغم التقدم المُحرز في العلاجات النفسية والدوائية، فإن حوالي 50% فقط من المرضى يستجيبون بشكل جيد للعلاجات الحالية، وتستمر الذكريات المؤلمة في مصاحبة الكثيرين منهم لسنوات بعد وقوع الحدث. هذه الذكريات ليست مجرد أفكار عابرة، بل هي تجربة حية وملموسة تُعيد تنشيط الجسد والمشاعر كما لو أن الحدث المؤلم يتكرر.

تقدم دراسة جديدة أجريت في جامعة تل أبيب نهجاً مبتكراً لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وتكتسب أهمية خاصة نظراً للزيادة الحادة في عدد الأشخاص الذين يعانون من هذه المتلازمة في أعقاب حرب السيف الحديدي وأحداث 7 أكتوبر. ووفقاً للنتائج الأولية للدراسة، فقد تمكن العلاج باستخدام التحفيز غير الجراحي للدماغ من الحد بشكل كبير من الذكريات المتطفلة، مثل ذكريات الماضي المؤلمة والأفكار المتطفلة، والتي تعتبر من أصعب الأعراض وأكثرها مقاومة للعلاج.

أُجري البحث في مختبر البروفيسور نيتزان تسينزور. من مدرسة سيجول لعلم الأعصاب وكلية العلوم النفسية في جامعة تل أبيب، بقيادة طالب الدكتوراه أور دزيزيو وبالتعاون مع مختبرات البروفيسور يائير بار حاييم والبروفيسور إيدو تافور. ضمّ فريق البحث نوغا يائير، ونوغا مندلوفيتش، والدكتور نيف تيك، والدكتور حغاي شارون من مستشفى إيخيلوف، والبروفيسور دانيال باين من المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة. نُشرت الدراسة في مجلة "تحفيز الدماغ" العلمية.

يؤثر على كيفية إعادة تكوين الذاكرة في الدماغ

ركز الباحثون على الحصين، وهو منطقة عميقة في الدماغ مسؤولة عن معالجة الذكريات وتخزينها واسترجاعها. ولأن التحفيز المباشر لمناطق الدماغ العميقة يتطلب تدخلاً جراحياً، فقد استُخدمت طريقة غير مباشرة ومتطورة: تحديد مناطق الدماغ السطحية المتصلة وظيفياً بالحصين، وتحفيزها باستخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS). وتم تحديد موقع التحفيز لكل مشارك على حدة باستخدام فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، مما جعل العلاج مُخصصاً لكل حالة.

شملت الدراسة الأولية عشرة بالغين مصابين باضطراب ما بعد الصدمة، خضعوا لخمس جلسات أسبوعية. في كل جلسة، تم تنشيط الذاكرة المؤلمة أولاً، ثم تحفيز الدماغ - تحديداً في المرحلة التي تكون فيها الذاكرة في حالة "مرنة" وقابلة للتغيير، كجزء من عملية تُعرف بإعادة التثبيت. هدف الباحثون إلى التأثير على طريقة إعادة تثبيت الذاكرة في الدماغ، وبالتالي تخفيف أعراض ما بعد الصدمة.

أظهرت النتائج انخفاضًا ملحوظًا في حدة أعراض ما بعد الصدمة، ولا سيما في وتيرة وشدة الذكريات المتطفلة. وقد أظهر جميع المشاركين تحسنًا مطردًا. في الوقت نفسه، أظهرت فحوصات الدماغ انخفاضًا في الترابط بين الحصين ومناطق التحفيز، مما يدل على أن هذا التغيير ليس مجرد شعور ذاتي، بل يعكس تغيرًا حقيقيًا في نشاط الدماغ.

أهمية خاصة في ضوء أحداث 7 أكتوبر

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لجنود الجيش الإسرائيلي، وأفراد قوات الأمن، والمدنيين الذين تعرضوا لأحداث 7 أكتوبر الإرهابية، والناجين من المجزرة، وضحايا إطلاق النار والاختطاف - وهي فئات يُتوقع أن تكون نسبة الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة فيها مرتفعة للغاية. ويُبلغ العديد منهم عن ذكريات مؤلمة ومتطفلة، حتى بعد مرور أشهر على الأحداث. إن إمكانية تطوير علاج قصير وغير جراحي يستهدف آلية الذاكرة الصادمة بشكل مباشر قد تُصبح أداةً هامة في نظام إعادة التأهيل الوطني.

بحسب الباحثين، تُعدّ هذه دراسة أولية أُجريت على مجموعة صغيرة دون وجود مجموعة ضابطة، إلا أنها تُقدّم دليلاً واضحاً على جدوى هذه الطريقة. ويلزم الآن إجراء تجارب سريرية واسعة النطاق ومضبوطة لاختبار فعالية هذه الطريقة على المدى الطويل. وإذا ما تأكدت النتائج، فقد يُمثّل ذلك تغييراً جذرياً في طريقة علاج الذكريات المؤلمة، ليس فقط آثارها العاطفية، بل أيضاً تأثيرها على جذورها العصبية.

يختتم البروفيسور نيتزان تسينزور قائلاً: "تشير النتائج الأولية إلى تغيير في أسلوب التعامل مع علاج ما بعد الصدمة. فنحن هنا نحاول التدخل بشكل دقيق في آلية الذاكرة الدماغية نفسها، في وقت تكون فيه هذه الآلية "مُفعّلة" من جديد وقابلة للتغيير. إن ملاحظة انخفاض مطرد في الذكريات المتطفلة لدى جميع المشاركين، إلى جانب تغيير ملحوظ في نشاط الدماغ، أمرٌ مُشجع للغاية. ومن المهم التأكيد على أن هذه نتائج أولية للغاية. ومع ذلك، ولا سيما في ضوء الواقع الإسرائيلي الراهن، نأمل أن يُتيح لنا استكمال الدراسة السريرية الكاملة تطوير علاج غير جراحي ومتاح في المستقبل، مما سيساعد العديد من الجنود والمدنيين على العودة إلى حياة طبيعية دون التعرض المستمر لآثار الصدمة."

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: