تُظهر تحليلات جديدة أن أنماط الحمض النووي التي تنتقل بين إنسان نياندرتال والإنسان الحديث ليست دليلاً على تفضيل الشريك، بل هي بالأحرى نتيجة لآليات بيولوجية معقدة وهياكل اجتماعية
إن الصورة الرومانسية التي رُسمت مؤخراً في عناوين وسائل الإعلام حول العالم عن لقاءات إنسان نياندرتال بالإنسان الحديث، تخضع الآن لتدقيق متجدد. فبحسب تحليل جديد للنتائج الجينية والأثرية، لا يوجد دليل على أن هذه اللقاءات كانت "تفضيلاً للتزاوج" أو "حباً"، بل هي عمليات أكثر تعقيداً بكثير - بيولوجية واجتماعية، وأحياناً عنيفة.
نشأ الجدل حول دراسة جينية نُشرت في المجلةعلوم في محاولة لتفسير ظاهرة معروفة: وجود الحمض النووي لإنسان نياندرتال في المجتمعات الحديثة خارج أفريقيا، ولكنه نادرٌ بشكل خاص على الكروموسوم X. وقد فسرت بعض وسائل الإعلام هذه البيانات في سردٍ مبسط، وكأن إنسان نياندرتال "كان يفضل" النساء من البشر المعاصرين. لكن وفقًا للباحثين، هذا تفسيرٌ مبالغ فيه لا تدعمه البيانات بشكل مباشر.
التفسير العلمي نفسه أكثر حذرًا. تتصرف الكروموسومات الجنسية، وخاصة الكروموسوم X، بشكل مختلف عن الكروموسومات الأخرى. فعندما يحدث التزاوج بين مجموعات سكانية وثيقة الصلة، تصبح هذه المجموعات أكثر عرضة للانتقاء الطبيعي وعدم التوافق البيولوجي. على سبيل المثال، ينقل الأب النياندرتالي كروموسوم X الخاص به إلى بناته فقط، وليس إلى أبنائه، لذا فإن انتشار هذا الكروموسوم يكون محدودًا أكثر من انتقال الكروموسومات الأخرى في الحمض النووي. إضافةً إلى ذلك، يميل الذكور الهجينة بين المجموعات وثيقة الصلة إلى أن يكونوا أكثر عرضة للخطر من حيث الخصوبة أو البقاء، مما يؤدي إلى اختفاء أسرع لبعض المكونات الجينية.
بمعنى آخر، قد تكون أنماط الحمض النووي الملاحظة اليوم ناتجة عن آليات بيولوجية معروفة، وليست نتاج ميول عاطفية. ويؤكد الباحثون أن علم الوراثة قادر على تحديد أنماط الوراثة، لكنه لا يستطيع إعادة بناء الأنظمة الاجتماعية أو المشاعر أو الأنماط السلوكية.
مجتمع يبقى فيه الرجال في أماكنهم وتأتي فيه النساء من مجموعات أخرى.
لفهم السياق بشكل أفضل، استند الباحثون إلى الاكتشافات الأثرية. أحد أهم هذه المواقع هو موقع إل سيدرون في إسبانيا، حيث عُثر على رفات ما لا يقل عن 12 إنسانًا من النياندرتال. أظهر تحليل الحمض النووي أن الرجال في الموقع ينحدرون من سلالة أمومية واحدة، بينما تنتمي النساء إلى مجموعات مختلفة. ويُستنتج من ذلك أن مجتمع النياندرتال كان على الأرجح مجتمعًا أبويًا، أي أن الرجال كانوا يقيمون في مجموعتهم، بينما كانت النساء ينتقلن بين المجموعات.
يُغيّر هذا النمط تمامًا طريقة تفسيرنا للقاء إنسان نياندرتال والإنسان العاقل. فإذا كانت النساء قد تنقلن بين المجموعات، فربما كانت الروابط بين السكان جزءًا من أنظمة اجتماعية للتبادل، أو التحالفات، أو حتى الصراع. ويؤكد الباحثون أن الاحتمالات تشمل طيفًا واسعًا من المواقف: من الاندماج المتبادل إلى العلاقات غير المتكافئة، بل وحتى العنيفة.
تُعزز أدلة إضافية هذا التعقيد. ففي موقع غويا في بلجيكا، عُثر على رفات نساء نياندرتال عليها آثار جروح واضحة، مما يُرجّح وجود عادة أكل لحوم البشر. ويرى بعض الباحثين أن هذا كان عنفًا بين الجماعات، ربما ضد نساء من جماعات أخرى. وهنا أيضًا، لا سبيل لتحديد السياق الاجتماعي بدقة، لكن من الواضح أن الواقع كان أبعد ما يكون عن قصة رومانسية بسيطة.
كان انتقال الجينات من إنسان نياندرتال إلى الإنسان العاقل أحادي الجانب
يؤكد الباحثون أن الصورة غير متناظرة جينيًا أيضًا. فبينما يحمل البشر المعاصرون الحمض النووي لإنسان نياندرتال، لم يُعثر على أي دليل مماثل على مساهمات جينية متأخرة من الإنسان العاقل في تجمعات إنسان نياندرتال الحديثة. قد تشير هذه النتيجة إلى تدفق أحادي الاتجاه للجينات، وهو ما قد يكون نتيجة لعلاقات غير متكافئة بين المجموعات.
يُستنتج من التحليل أن الانتقال من الصيغ الجينية إلى سرديات المشاعر والتفضيلات أو "الحب" أمرٌ إشكالي. فالجينات لا تُخبرنا عن العلاقات، بل فقط عما بقي عبر الأجيال. لفهم حياة الإنسان القديم، لا بد من دمج علم الوراثة وعلم الآثار وعلم الإنسان، وعدم الاكتفاء بتفسير واحد.
في نهاية المطاف، تُذكّرنا هذه الدراسة بأن تاريخ البشرية أعمق وأكثر تعقيدًا مما توحي به الروايات الشائعة. فبدلاً من قصة "روميو وجولييت" في عصور ما قبل التاريخ، ربما كان اللقاء بين إنسان نياندرتال والإنسان العاقل نتاجًا لبنى اجتماعية وظروف بيولوجية، وأحيانًا علاقات قوة - وهي حقيقة تتحدى الطريقة التي نميل بها إلى سرد قصة أصولنا.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
תגובה אחת
من الأفضل لمحرر الموقع أن يؤكد لكل دراسة فائدتها للبشرية وكيف أنها تعيد الأموال المستثمرة فيها إلى أن يتم دحضها واستبدالها بتفسير بديل للنتائج بناءً على نتائج تخمينية جديدة.