تدعو ورقة موقف جديدة إلى إنشاء مؤسسة مستقلة تقوم بتمويل البحوث الأكاديمية في المراحل المبكرة من الانتقال من المختبر إلى الحلول العملية، دون الإضرار بالبحوث الأساسية.
توصي الأكاديمية الوطنية للعلوم بإنشاء مؤسسة وطنية للعلوم التطبيقية، تعمل جنبًا إلى جنب مع المؤسسة الوطنية للعلوم، وتُموّل البحوث الأكاديمية التي لا تزال في مراحلها الأولى من الانتقال من المختبر إلى التطبيق العملي. وقد وردت هذه التوصية في ورقة موقف صادرة عن لجنة خارطة طريق العلوم التابعة للأكاديمية الوطنية للعلوم، بتاريخ 24 أبريل/نيسان 2026، والتي كُتبت استجابةً لطلب من المؤسسة الوطنية للعلوم إلى الأكاديمية للاستفسار عن إمكانية إنشاء مثل هذا الصندوق. ووفقًا للوثيقة، يهدف الصندوق الجديد إلى سدّ فجوة تمويلية معروفة جيدًا لدى الباحثين، وهي مرحلة يكون فيها البحث ذا جدوى عملية أو تجارية أو عامة أو اجتماعية، ولكنه لا يزال في مراحله الأولى بحيث لا يجذب تمويلًا كبيرًا من الصناعة أو الحكومة أو صناديق التسويق.
يرتكز هذا البحث على التمييز الأساسي بين البحث الأساسي والبحث التطبيقي. يسعى البحث الأساسي إلى فهم الظواهر، وتحديد آلياتها، وصياغة المبادئ العلمية. أما البحث التطبيقي، فيسعى إلى ترجمة المعرفة العلمية إلى حلول عملية للمشكلات، كالأدوية، والعلاجات، والأجهزة، والأدوات الحاسوبية، والسياسات العامة، والحلول البيئية، والنماذج الاجتماعية. ويؤكد مؤلفو البحث أن الخط الفاصل بينهما ليس واضحًا تمامًا. فالبحث الأساسي قد يُفضي إلى تطبيقات واسعة النطاق، بينما يعتمد البحث التطبيقي عالي الجودة عادةً على فهم علمي عميق. لذا، يرون أن تشجيع البحث التطبيقي في الأوساط الأكاديمية لا ينبغي أن يحل محل العلوم الأساسية، بل أن يُكمّلها.
من أهم النقاط التي يركز عليها التقرير التحذير من الإضرار بالبحث العلمي الأساسي. وتؤكد الأكاديمية الوطنية للعلوم على ضرورة إضافة التمويل الحكومي للبحوث التطبيقية في الأوساط الأكاديمية إلى تمويل البحوث الأساسية، لا أن يأتي على حسابها. ويشير التقرير إلى أن إجمالي الاستثمار في البحث والتطوير المدني في إسرائيل مرتفع للغاية مقارنةً بالناتج المحلي الإجمالي، إلا أن حصة الأوساط الأكاديمية في الإنفاق الوطني على البحث والتطوير منخفضة نسبيًا. ففي عام 2023، بلغ الإنفاق الوطني على البحث والتطوير المدني في إسرائيل حوالي 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 120 مليار شيكل إسرائيلي سنويًا، ولكن 5.5% فقط من هذا الإنفاق وُجّه للبحث العلمي في الأوساط الأكاديمية، مقارنةً بمتوسط 14% تقريبًا في الدول المتقدمة.
فجوة التسويق
تُؤدي هذه الفجوة إلى وضع مُعقد. فمن جهة، تُعدّ إسرائيل دولة رائدة في مجال البحث والتطوير، ويعود الفضل في ذلك بشكل رئيسي إلى قطاع الأعمال. ومن جهة أخرى، يُواجه البحث الأكاديمي، ولا سيما الأبحاث التي لا تزال في مراحلها الأولى قبل التسويق، صعوبة في إيجاد مصادر تمويل. ووفقًا للورقة البحثية، تميل الشركات التجارية والهيئات الحكومية إلى الاستثمار في البحوث التطبيقية فقط بعد إثبات جدواها بشكل كافٍ. إلا أن إثبات الجدوى يتطلب أحيانًا إجراء بحوث إضافية، وتوفير المعدات، والقوى العاملة، وإجراء الاختبارات، ووضع معايير محددة، وإدارة المشاريع. ويهدف الصندوق المُقترح إلى تمويل هذه المرحلة تحديدًا.
من المقرر أن تعمل المؤسسة وفقًا لمبادئ مماثلة لتلك التي تتبعها المؤسسة الوطنية للعلوم: الاستقلالية، والحكم المهني، والتميز البحثي، والحماية من التأثير السياسي المباشر. وتوصي اللجنة الفرعية بأن تعمل المؤسسة كمنظمة غير ربحية إلى جانب الأكاديمية الوطنية للعلوم والفنون، مع مجلس إدارة وهيئات إدارية مستقلة مماثلة لتلك الموجودة في المؤسسة الوطنية للعلوم. ومن بين المقترحات الأخرى، إنشاء مجلس للمؤسسة يضم 11 عضوًا، ومجلس إدارة أكاديمي يضم 5 أعضاء، ولجنة تنفيذية، وذلك للحفاظ على هيكل مستقل ومهني.
لا يهدف الصندوق إلى استبدال الهيئات القائمة، مثل وزارة العلوم، أو كبار العلماء في الوزارات الحكومية، أو هيئة الابتكار. ووفقًا للتوصية، ينبغي أن تُكمّل هذه الأنظمة الثلاثة بعضها بعضًا. وتواصل وزارة العلوم وكبار العلماء أداء دورٍ هام في البحوث المُحددة وفقًا للأولويات الوطنية. وتركز هيئة الابتكار بشكلٍ كبير على المسارات ذات الصلة الوثيقة بالصناعة والتسويق. أما الصندوق الجديد، فيهدف إلى تمكين الباحثين من اقتراح مجالات بحثية بأنفسهم، انطلاقًا من القاعدة، حتى في حال عدم وجود شريك صناعي واضح.
نتائج تجربة رائدة بدأت في عام 2023
بدأ المشروع التجريبي الذي استندت إليه ورقة الموقف هذه عقب قرار صادر عن وزارة العلوم والتكنولوجيا في فبراير 2023، بالتعاون مع وزارة العلوم. وكان الهدف من البرنامج تمويل دراسات الجدوى في المؤسسات التي تمولها وزارة العلوم والتكنولوجيا. في البداية، كان من المخطط تخصيص 40 مليون شيكل إسرائيلي جديد سنويًا لمدة ثلاث سنوات، ولكن في الواقع تم تخفيض الميزانية، ولم يُخصص سوى 17.5 مليون شيكل إسرائيلي جديد للدورة الأولى. في هذه الدورة، قُدِّم 135 مقترحًا، تم اختيار 50 منها. وحصل كل مقترح على منحة تصل إلى 350 ألف شيكل إسرائيلي جديد لمدة تتراوح بين 18 و24 شهرًا، واستغرقت عملية التقييم حوالي عام.
على الرغم من أن الصندوق كان يهدف إلى أن يكون مفتوحًا لجميع التخصصات، إلا أن معظم المقترحات المقدمة في المرحلة التجريبية جاءت من مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ووفقًا للجدول الوارد في الصفحة 13 من الوثيقة، كانت أبرز المجالات هي الطب والتقارب الحيوي، والخوارزميات، والفيزياء، والميكانيكا والمواد، وعلوم الحياة، والغذاء والزراعة، والبيانات، والمياه والطاقة. وجاءت مقترحات قليلة فقط من العلوم الاجتماعية والإنسانية، على الرغم من أن الوثيقة تؤكد وجود نقص كبير في مصادر التمويل للبحوث التطبيقية ذات الأثر العام والاجتماعي في هذه المجالات.
يُشير توزيع النجاحات بين الجامعات والكليات إلى تحدٍّ آخر. فقد قُدِّم 58% من المقترحات من قِبَل باحثين من الجامعات، و42% من قِبَل باحثين من الكليات. أما المقترحات الفائزة، فكان 72% منها من الجامعات، و28% من الكليات. وبلغت نسبة الفوز في الجامعات 46%، مقارنةً بـ 25% في الكليات. وترى اللجنة الفرعية في الصندوق الجديد فرصةً لتعزيز البحوث التطبيقية في الكليات، حيث يوجد أحيانًا ميلٌ أكبر نحو البحوث ذات الطابع العملي والإقليمي والاجتماعي.
التغيير الثقافي في الأوساط الأكاديمية
لذا، فإن توصية الأكاديمية الوطنية للعلوم ليست مالية فحسب، بل ثقافية أيضاً. فهي تسعى إلى تغيير نظام الحوافز في الأوساط الأكاديمية لتمكين الباحثين من الانخراط في المسائل التطبيقية دون تكبّد تكاليف أكاديمية. ووفقاً للوثيقة، ينبغي للجان التحكيم التابعة للمؤسسة أن تعتمد في المقام الأول على التميز البحثي، مع إدراج تقييم لإمكانية التطبيق. وإلى جانب مراجعة النظراء الأكاديمية، يُتاح المجال لتقييم الجهات المعنية في القطاعين الصناعي والعام. ومع ذلك، لن يكون من الضروري تقديم مقترحات بالتعاون مع شركات تجارية، وذلك لإتاحة المجال أيضاً للبحوث التي لا تزال في مراحلها الأولية قبل التنفيذ.
بشكل عام، تطرح ورقة الموقف سؤالاً محورياً لسياسة العلوم في إسرائيل: كيف يمكن الحفاظ على حرية البحث والتميز العلمي، مع تشجيع الأوساط الأكاديمية في الوقت نفسه على المساهمة بشكل أكبر في حل المشكلات العملية؟ ويتمثل الجواب الذي تقدمه الأكاديمية الوطنية للعلوم في إنشاء إطار عمل مستقل لا يملي على الباحثين مواضيع البحث، ولا يحل محل البحث الأساسي، ولا يقلل من أدوار هيئة الابتكار ووزارة العلوم. ومن المفترض أن يكون الصندوق المقترح بمثابة جسر يربط بين الفكرة العلمية والحل العملي، وبين المختبر والمجتمع، وبين المعرفة المُنتجة في الأوساط الأكاديمية واحتياجات الجمهور والاقتصاد والدولة.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: