نجح باحثون من جامعة تل أبيب ومعهد الأبحاث البيولوجية في تطوير لقاح مبتكر ضد واحدة من أخطر البكتيريا في التاريخ - يرسينيا بيستيس، التي تسببت في الموت الأسود في العصور الوسطى.
في دراسة رائدة، استخدم باحثون من جامعة تل أبيب ومعهد نيس زيونا البيولوجي منصة لقاح فيروس كورونا لإنتاج أول لقاح في العالم قائم على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) ضد بكتيريا قاتلة مقاومة للمضادات الحيوية. اختبر الباحثون مقاومة اللقاح للبكتيريا المسببة لهذا المرض الفتاك، وتمكنوا من تحقيق حماية 100% ضد العدوى في نماذج الحيوانات. ويأمل الباحثون الآن أن تُستخدم التقنية التي عرضتها هذه الدراسة أيضًا ضد بكتيريا قاتلة أخرى.
وأُجري البحث تحت قيادة نائب رئيس جامعة تل أبيب للبحث والتطوير البروفيسور دان بار، أحد رواد العالم في تطوير أدوية mRNA ورئيس مختبر الطب النانوي. مدرسة شيمونيس للأبحاث الطبية الحيوية وأبحاث السرطان في كلية جورج س. وايز لعلوم الحياةوكان إلى جانبه فريق الباحثين من المعهد البيولوجي: د. أوري إيليا، د. ينون ليفي، د. عامي ممرود ود. عوفر كوهين من معهد الأبحاث البيولوجية، بالإضافة إلى فريق مختبر البروفيسور بار: د. عيدو كون، د. عنبال حزان هاليفي وطالب الدكتوراه شاني بن هاروش. ونشرت الدراسة على غلاف المجلة المرموقة العلوم المتقدمة.
أول لقاح mRNA ضد البكتيريا القاتلة

اللقاح الذي طوره فريق باحثين من المعهد البيولوجي وجامعة تل أبيب هو لقاح قائم على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) محمول بجسيمات نانوية دهنية، وهو مشابه للقاح فيروس كورونا. ومع ذلك، فإن لقاحات mRNA فعالة ضد فيروسات مثل فيروس كورونا، وليست ضد البكتيريا القاتلة مثل هذا الفيروس.
يوضح الدكتور أوري إيليا: "تعتمد الفيروسات، أو الفيروسات، على خلية خارجية ("مضيف") للعيش والتكاثر. تُصيب الخلية بجزيء الحمض النووي الريبوزي (mRNA)، الذي يحتوي على تعليمات إنتاج بروتينات الفيروس. وهكذا، يستخدم الفيروس الخلية كمصنع لإنتاج نسخ منه. في لقاح mRNA، يُصنع هذا الجزيء ويُغلّف بغلاف نانوي دهني يشبه غشاء الخلية في جسم الإنسان. وهكذا، يخترق الغلاف الخلية، فتُنتج الخلية بروتينات الفيروس، ويتعلم الجهاز المناعي التعرف عليه والدفاع ضده في حالة التعرض للفيروس نفسه. أما البكتيريا، فالأمر مختلف: فهي تُنتج البروتينات لنفسها، ولا تحتاج إلينا. وبسبب اختلاف تطور البشر والبكتيريا، فإن بروتيناتها لا تُشبه بروتيناتنا إطلاقًا."
في عام ٢٠٢٣، طوّر باحثون طريقةً خاصة لإنتاج بروتين بكتيري في خلية بشرية، بحيث يتعرّف عليه الجهاز المناعي كبروتين بكتيري حقيقي، وبالتالي يتعلم كيفية حماية نفسه منه. وأثبت فريق البحث، لأول مرة، إمكانية تطوير لقاح فعال قائم على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) ضد البكتيريا، واختار بكتيريا يرسينيا بيستيس، المسببة للطاعون الدبلي، وهو مرضٌ سبّب أوبئةً قاتلة عبر التاريخ البشري. وفي نماذج الحيوانات، أثبت الباحثون إمكانية التطعيم الفعال ضد هذا المرض بعد جرعة واحدة من اللقاح.
الخطوة الأولى نحو لقاح عالمي ضد مرض الجهاز التنفسي
في الدراسة السابقة، طوّرنا لقاحًا لأحد أشكال المرض الذي تنتقل فيه العدوى عبر الجلد، مثل لدغة برغوث. أما في الدراسة الحالية، فاخترنا هدفًا أكثر طموحًا: فيروس تنفسي، وهو، كما يوحي اسمه، معدٍ من شخص لآخر ويسبب مرضًا تنفسيًا، وبالتالي يصعب جدًا ابتكار لقاح ضده. لهذا السبب، استخدمنا هذه المرة بروتينين ومستضدين لتطوير اللقاح. اختبرنا لقاحنا على حيوانات نموذجية من عدة أنواع، ووجدنا أنه بعد جرعتين من اللقاح، حققنا حماية 100% ضد الفيروس التنفسي: لم تُصب الحيوانات المصابة بالفيروس على الإطلاق. يفتح نجاح الدراسة الحالية الباب أمامنا أيضًا لعالم اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) ضد البكتيريا القاتلة الأخرى.
يقول الدكتور أوري إيليا: "قتل الطاعون الدبلي حوالي ثلثي سكان أوروبا في العصور الوسطى ("الموت الأسود")، ولا يزال ينتشر بين الحين والآخر حتى اليوم، على سبيل المثال في مدغشقر، لذا لا يزال احتمال انتشار الطاعون قائمًا". ويختتم حديثه قائلاً: "العامل المسبب للمرض هو بكتيريا تُسمى يرسينيا بيستيس، والتي لا يوجد لقاح معتمد ضدها في الدول الغربية. هذه البكتيريا شديدة العدوى وقاتلة للغاية، وبالتالي فهي تُشكل تهديدًا خطيرًا. علاوة على ذلك، تُثير هذه البكتيريا اهتمامنا أيضًا كبكتيريا محتملة مُدرجة على قائمة البكتيريا المُستخدمة في الإرهاب البيولوجي. إذا حاول أحد أعدائنا استخدامها ضدنا، فنحن نريد أن نكون مُستعدين بلقاح".
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: