قدم الحائز على جائزة تورينج وجائزة إسرائيل مساهمات أساسية في مجال الأوتوماتا والخوارزميات الاحتمالية والتعقيد والتشفير، وساعد في بناء البنية التحتية الأكاديمية لعلوم الكمبيوتر في إسرائيل.

كان البروفيسور مايكل أوزر رابين، الذي توفي في القدس في 14 أبريل 2026 عن عمر يناهز 94 عامًا، أحد العلماء الإسرائيليين الذين امتد تأثيرهم إلى ما هو أبعد من حدود الأوساط الأكاديمية. لم يقتصر عمله على أبحاث الحواسيب فحسب، بل كان من بين الذين ساهموا في تعريف الحوسبة، وما يمكن حسابه، ومدى صعوبة الحساب، وكيفية بناء أنظمة رقمية موثوقة حتى في عالم مليء بالشكوك. لهذا السبب، يصعب وصف تاريخ علوم الحاسوب الحديثة دون ذكر اسمه. وقد وصفته الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم بأنه أحد مؤسسي علوم الحاسوب الحديثة ورائد في المنطق الرياضي والخوارزميات والتشفير والتعقيد الحسابي.academy.ac.il)
وُلد رابين عام 1931 في بريسلاو، ألمانيا، والتي تُعرف الآن باسم فروتسواف، بولندا. هاجرت عائلته إلى إسرائيل عام 1935، ونشأ في حيفا. كان ميله للرياضيات واضحًا منذ طفولته. درس لاحقًا في الجامعة العبرية، وواصل دراسته في الولايات المتحدة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة برينستون تحت إشراف عالم المنطق الشهير ألونسو تشيرش. رافق هذا الربط بين المنطق والرياضيات والحوسبة مسيرته المهنية بأكملها. عاد إلى إسرائيل في مرحلة مبكرة، وكان أحد الباحثين الذين أسسوا هذا المجال عندما لم يكن "علم الحاسوب" بعدُ مجالًا أكاديميًا واضحًا وراسخًا.أمتوريng.acm.org)
جائزة تورينج عام 1976
جاء الإنجاز الدولي الكبير لرابين من خلال بحثه المشترك مع دانا سكوت، بعنوان "الأوتوماتا المحدودة ومشاكل اتخاذ القرار الخاصة بها". وقد حصل الاثنان على جائزة تورينج لعام 1976، وهي أرفع جائزة في علوم الحاسوب، تقديرًا لهذا العمل. قدم البحث فكرة الآلات غير الحتمية، وهي فكرة أصبحت حجر الزاوية في فهم الحوسبة واللغات الرسمية والتعقيد والخوارزميات. بعبارة أخرى، أظهر رابين وسكوت أن الحوسبة لا يمكن اعتبارها مجرد سلسلة جامدة من الخطوات، بل كنظام يستكشف عدة احتمالات في آن واحد على المستوى المفاهيمي. وقد أثرت هذه الفكرة على أجيال من الباحثين، وكذلك على طريقة صياغة الأسئلة الأساسية في علوم الحاسوب حتى يومنا هذا.amturing.acm.org)
كان من أهم إسهامات رابين إدخال مفهوم العشوائية بشكل منهجي في عالم الخوارزميات. في الحياة اليومية، تبدو العشوائية وكأنها فقدان للتحكم، أما بالنسبة لرابين، فقد أصبحت أداة رياضية. بيّن رابين أنه في بعض الحالات، قد تكون الخوارزمية التي تستخدم العشوائية أسرع وأكثر كفاءة من الخوارزمية الحتمية، مع الحفاظ على موثوقية عالية في النتائج. هذا النهج هو أساس مجال الخوارزميات الاحتمالية، وقد أثر في الحوسبة واسعة النطاق، واختبار القوة الغاشمة، والتشفير، واسترجاع المعلومات، والأنظمة الموزعة.
اختبار ميلر-رابين للتحقق من أولية العدد
من الأمثلة المعروفة على ذلك اختبار ميلر-رابين للتحقق من أولية الأعداد. تُعدّ أولية الأعداد الكبيرة مسألة رياضية قديمة، لكنها اكتسبت في العصر الرقمي أهمية عملية بالغة، ويعود ذلك جزئيًا إلى دورها في التشفير. يسمح هذا الاختبار بالتحقق بسرعة من احتمالية كون عدد كبير أوليًا، مع هامش خطأ ضئيل للغاية يمكن تقليله بشكل أكبر. وهذا أحد الأمثلة على تحوّل فكرة رياضية عميقة إلى أداة في عالم الحوسبة والأمن.
كان رابين رائدًا في علم التشفير أيضًا. فقد أثر نظام التشفير الذي ابتكره، ومفاهيم مثل النقل غير الواعي، على أسس التشفير الحديث وبروتوكولات الحوسبة الآمنة. وتُشكل هذه المجالات اليوم أساس الأنظمة التي تُمكّن من نقل المعلومات، والتحقق من الهوية، وحماية الخصوصية في الفضاء الرقمي. لم تقتصر إسهامات رابين على سؤال واحد أو تقنية واحدة، بل امتدت لتشمل البنية التحتية الأساسية للثقة والسرية والحوسبة في عالمنا الرقمي.
كان رابين أيضاً شخصية محورية في تطوير علوم الحاسوب في إسرائيل. شغل مناصب عليا في الجامعة العبرية، بما في ذلك منصب رئيس الجامعة من عام 1972 إلى عام 1975، وكان من بين الذين ساهموا في وضع هذا المجال على أسس أكاديمية متينة. وصفه معهد وايزمان بأنه أحد المؤسسين الأكاديميين للمجالات التي استندت إليها صناعة التكنولوجيا المتقدمة الإسرائيلية فيما بعد. وهذه نقطة بالغة الأهمية: لم تنمو صناعة التكنولوجيا المتقدمة الإسرائيلية من روح ريادة الأعمال فحسب، بل أيضاً من بنية تحتية علمية عميقة، بُنيت على مدى عقود في الجامعات. وكان رابين أحد الشخصيات المهمة في هذه البنية التحتية.معهد وايزمان للعلوم)
كما شغل منصب أستاذ في جامعة هارفارد.
إلى جانب عمله في إسرائيل، كان رابين أستاذاً في جامعة هارفارد، حيث شغل لقب أستاذ توماس ج. واتسون الأب الفخري لعلوم الحاسوب. وهو واحد من مجموعة صغيرة من الباحثين الذين تمكنوا من العمل في آن واحد في قلب الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية وفي أهم مراكز علوم الحاسوب في الولايات المتحدة. وقد حصل على العديد من الجوائز على مر السنين، بما في ذلك جائزة تورينج، وجائزة إسرائيل في علوم الحاسوب، وجائزة هارفي، وجائزة A.M.T، وجائزة دان ديفيد.amturing.acm.org)
يُمثل رحيل رابين فرصةً لاستذكار جيل العلماء الذين بنوا الحاسوب قبل أن يصبح منتجًا منزليًا، أو هاتفًا ذكيًا، أو بنيةً تحتيةً للذكاء الاصطناعي. لقد تناولوا أسئلةً بدت في غاية التجريد: ما هي الآلة؟ ما هو البرهان؟ ما هي الحوسبة الفعّالة؟ هل يُمكن الوثوق بعمليةٍ تستخدم العشوائية؟ اليوم، تُشكّل هذه الأسئلة جوهر حياتنا. فهي تؤثر على أمن المعلومات، ومحركات البحث، والأنظمة المالية، والذكاء الاصطناعي، وكل خدمةٍ رقميةٍ تتخذ قراراتٍ بسرعةٍ فائقة.
لذا، فإن إرث البروفيسور مايكل رابين ذو شقين. من جهة، هو إرث علمي يتمثل في القوانين والخوارزميات والنماذج الرياضية. ومن جهة أخرى، هو إرث إسرائيلي أوسع نطاقاً: بناء مجال أكاديمي جديد، ورعاية أجيال من الباحثين، وإثبات أن الفكر النظري العميق يمكن أن يصبح، أحياناً بعد سنوات، بنية تحتية لعالم بأكمله.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: