كشف تحليل العينات التي جمعها مسبار تشانغ إي 6 الصيني عن بصمة جيوكيميائية فريدة تشير إلى فقدان هائل للمواد المتطايرة من غلاف القمر، ويقدم تفسيراً جديداً لعدم التماثل الغامض بين الجانبين القريب والبعيد.
لعقود طويلة، حير العلماء سبب اختلاف جانبي القمر اختلافًا كبيرًا. فالجانب القريب منا مغطى بسهول بازلتية شاسعة داكنة - تُعرف باسم "بحار" القمر - بينما الجانب البعيد وعر وسميك وخالٍ من النشاط البركاني. والآن، كشفت دراسة جديدة رائدة نُشرت في مجلة علمية...وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم يقدم تفسيراً مفاجئاً: إن الاصطدام الهائل الذي خلق حوض القطب الجنوبي-أيتكين، وهو أحد أكبر وأقدم الهياكل في النظام الشمسي، لم ينحت فوهة ضخمة فحسب، بل غير أيضاً التركيب الكيميائي للغلاف القمري نفسه - وربما حدد مصير نصفي القمر.
عينات نادرة من الجانب البعيد تكشف سرًا كيميائيًا
أُجريت هذه الدراسة بفضل مهمة تشانغ إي-6 الصينية، التي أعادت عينات من الجانب البعيد للقمر عام 2024، وهو إنجاز حققته الصين وحدها. وقد جُمعت العينات من حوض القطب الجنوبي-أيتكن، وهو بنية نيزكية عملاقة يبلغ عرضها حوالي 2,500 كيلومتر وعمقها 8 كيلومترات، تشكلت قبل حوالي أربعة مليارات سنة.
قام فريق من العلماء بقيادة البروفيسور تيان هنغ شي من الأكاديمية الصينية للعلوم بتحليل التركيب النظائري للبوتاسيوم في أربع شظايا بازلتية من العينات. وكانت النتيجة مفاجئة: إذ بلغت نسبة نظائر البوتاسيوم الثقيلة إلى الخفيفة (المعبر عنها تقريبًا بـ δ⁴¹K) حوالي 0.16 بالألف أعلى من جميع عينات البازلت القمري التي تم فحصها سابقًا - من بعثات أبولو والنيازك القمرية.
"هذه بصمة كيميائية غير عادية للغاية"، كما توضح الدراسة. "العينات المأخوذة من الجانب البعيد أثقل نظائرياً، مما يشير إلى عملية دراماتيكية حدثت هناك في الماضي."
عندما غيّر الحريق العظيم الكيمياء
البوتاسيوم عنصر شبه متطاير، أي أنه يتبخر بسهولة نسبية عند درجات الحرارة العالية. عند حدوث ارتفاع شديد في درجة الحرارة، مثل اصطدام نيزك عملاق، تميل نظائر البوتاسيوم الأخف (البوتاسيوم-39) إلى التبخر بسهولة أكبر من النظائر الأثقل (البوتاسيوم-41). والنتيجة: أن المادة المتبقية غنية بالنظائر الأثقل، وهي السمة المميزة التي وجدها الباحثون في عينات تشانغ إي 6.
درس الباحثون ثلاثة تفسيرات بديلة محتملة للبصمة غير العادية: التعرض المطول للأشعة الكونية، وعمليات التمايز الصهاري أثناء تبلور الصخور، والتلوث الناتج عن مادة الجسم الذي اصطدم بالقمر. ومع ذلك، ووفقًا للتحليل المفصل في الورقة البحثية وفي إعلان الأكاديمية الصينية للعلوم، كانت جميع هذه التأثيرات ضئيلة للغاية - أقل بكثير من مستوى عدم اليقين في القياس - وبالتالي لا يمكنها تفسير الإثراء النظائري الثقيل الذي تم قياسه.
الاستنتاج الوحيد المتبقي: أن الاصطدام الهائل الذي أدى إلى تكوين حوض القطب الجنوبي-أيتكن سخن وشاح القمر إلى درجات حرارة هائلة - يقدر الباحثون حوالي 2,800 كلفن (حوالي 2,527 درجة مئوية) - وتسبب في تبخر هائل للعناصر المتطايرة، وخاصة البوتاسيوم، من وشاح القمر.
من اصطدام قديم على القمر "ذي الوجهين""
لكن القصة لا تنتهي بفقدان البوتاسيوم. يشير الباحثون إلى أن الحدث الكارثي نفسه قد يفسر أيضاً أحد الألغاز الرئيسية للقمر: لماذا يختلف الجانب البعيد عن الجانب القريب اختلافاً كبيراً؟
يُفترض أن فقدان المواد المتطايرة من الوشاح البعيد قد غيّر تركيبه الكيميائي بطريقة قللت من ميله للانصهار والنشاط البركاني. بعبارة أخرى، أصبح الوشاح البعيد "أكثر جفافًا" وأقل قدرة على توليد الصهارة، ولهذا السبب شهدنا عددًا أقل بكثير من الثورات البركانية وسهول البازلت هناك.
في المقابل، احتفظ الجانب القريب - الذي لم يمتص كامل قوة الاصطدام - بكمية أكبر من المواد المتطايرة في غلافه، وكان أغنى بالمواد التي تخفض درجة الانصهار، وبالتالي شهد نشاطًا بركانيًا أكثر كثافة على مدى مليارات السنين. والنتيجة: الجانب القريب مغطى بـ"بحار" داكنة، بينما يبقى الجانب البعيد وعرًا ومليئًا بالفوهات.
تدعم عمليات المحاكاة الحاسوبية التي أجراها الفريق هذا السيناريو. كان الاصطدام عميقًا وقويًا للغاية، لدرجة أنه حفر عميقًا في الوشاح وأحدث موجات حمل حراري نقلت مواد ساخنة من أعماق القمر نحو السطح، مما أدى إلى تبخر المواد المتطايرة على نطاق واسع.

دليل مباشر على قوة التأثير الهائلة للثغرات الأمنية
تُعدّ هذه الدراسة علامة فارقة في فهمنا لكيفية تأثير اصطدامات الكويكبات على تشكيل الكواكب والأقمار في النظام الشمسي. حتى الآن، ركزت معظم الدراسات على آثار الاصطدامات على سطح الكوكب أو القمر، كالفوهات والحطام وتيارات الغبار. لكن الدراسة الجديدة تُظهر أن الاصطدامات الكبيرة بما يكفي قادرة على اختراق أعماق الكوكب أو القمر، مُغيرةً التركيب الكيميائي للغلاف، وبالتالي مؤثرةً على تطوره الجيولوجي لمليارات السنين القادمة.
وتؤكد الدراسة قائلة: "هذا ليس مجرد 'جرح' على السطح، بل هو آلية يمكنها إعادة تشكيل باطن عالم صخري بأكمله".
أسئلة مفتوحة والخطوات التالية
على الرغم من أهمية النتائج، يتوخى الباحثون الحذر في عرض استنتاجاتهم. فقد استند التحليل إلى أربع شظايا بازلتية فقط، وهي عينة صغيرة نسبيًا. وللتأكد بشكل قاطع من أن اصطدام القطب الجنوبي بحوض أيتكن هو السبب الرئيسي لعدم التماثل بين جانبي القمر، ستكون هناك حاجة إلى عينات إضافية من مناطق مختلفة على الجانب البعيد.
إضافة إلى ذلك، لا تزال هناك أسئلة مفتوحة: هل حدثت عملية مماثلة في أجرام أخرى في النظام الشمسي؟ هل أثرت الاصطدامات الهائلة على الأرض في بداياتها على غلافها الخارجي؟ وهل يمكن للآلية نفسها أن تفسر الاختلافات الكيميائية الملحوظة على الكواكب الأخرى؟
من المتوقع أن تُقدّم البعثات المستقبلية إلى القمر، بما في ذلك خطط ناسا والصين لإعادة المزيد من العينات من الجانب البعيد، إجاباتٍ شافية. وفي الوقت نفسه، تفتح الدراسة الحالية نافذةً جديدةً لفهم ماضي القمر المضطرب، وماضي النظام الشمسي بأكمله.
للمادة العلمية
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
תגובה אחת
إن الجانب القريب من القمر أقرب إلى المجال المغناطيسي للأرض، مما يتسبب في زيادة التسخين الداخلي للجانب القريب من القمر.