بحث إسرائيلي جديد يكشف عن آليات صنع القرار في أسراب الجراد ويجمع بين الأمن الغذائي وتطوير الطائرات بدون طيار ذاتية القيادة
لا تزال آفة الجراد، وهي الثامنة من بين الآفات العشر المذكورة في سفر هاجادا عيد الفصح، تشكل واحدة من أخطر التهديدات للزراعة العالمية. الجراد هو اسم جماعي لعدة أنواع من الجنادب التي تتجمع في أسراب وتهاجر معًا. يمكن لسرب الجراد الواحد أن يحتوي على مليارات الأفراد، وينتقل مع الريح لمسافات تصل إلى مئات الكيلومترات يوميًا، ويدمر حقولًا بأكملها من المحاصيل في غضون ساعات. وراء السلوك المدمر للجراد تكمن ظاهرة بيولوجية تثير السؤال التالي: كيف يمكن للجراد أن يتحرك معًا، بطريقة منسقة بشكل ملحوظ، دون وجود قائد واضح؟ شهر يكشف إسرائيلي جديد كيف يتخذ الجراد القرارات في الحركة الجماعية، ولماذا قد يؤثر هذا الفهم على مستقبل التكنولوجيا.
السيطرة على السرب
تشكل أسراب الجراد تهديدًا خطيرًا للأمن الغذائي في العديد من البلدان، وخاصة تلك الواقعة في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. وفقا للبيانات منظمة الأغذية والزراعة وبحسب الأمم المتحدة، كان تفشي الجراد الصحراوي الرئيسي في الفترة 2020-2021 أحد أشد تفشيات الجراد الصحراوي في العقود الأخيرة. وتم خلال هذه الفترة معالجة ما يقارب 23 مليون دونم من الأراضي الموبوءة بأسراب الجراد. الطريقة الرئيسية للعلاج هي رش المبيدات من الطائرات وعلى الأرض مباشرة. ويتم إجراء المكافحة قبل وصول سرب الجراد وأثناء نشاطه في الحقل. وبفضل هذا العلاج، تم تجنب خسارة تقدر بنحو 4.5 مليون طن من المحاصيل، وتم الحفاظ على الأمن الغذائي لنحو 41.5 مليون شخص. وتم تقدير الأضرار الاقتصادية التي تم تجنبها بنحو 1.77 مليار دولار.
وكان هناك أيضًا شعور باليقظة في بلدنا. على-2021 وقد تم توثيق غزوات الجراد في منطقة العربة والنقب. على-2013 عبرت أسراب الجراد الحدود من سيناء، ونضجت وتزاوجت ووضعت بيضها في النقب، الأمر الذي تطلب عمليات واسعة النطاق لمكافحة الآفات. وفي عام 2004، وصلت أسراب الجراد إلى إيلات والعرابة، لكنها اختفت بعد بضعة أيام دون أن تسبب أضرارا كبيرة. وقد حدثت أحداث مماثلة أيضًا في الخمسينيات والستينيات. يقول البروفيسور أمير إيلي من كلية علم الحيوان في جامعة تل أبيب ومتحف شتاينهارت للتاريخ الطبيعي: "لا يمكن إيقاف ظاهرة الجراد بشكل كامل، ولكن يمكننا أن نتعلم منها عن ظاهرة السرب بأفضل طريقة ممكنة". وبعبارة أخرى، من المهم أن نحاول إيقاف هذه الظاهرة لمنع تشكل أسراب الجراد. عندما يتحرك سرب الجراد، قد يبدو الأمر كما لو كان موجهًا بواسطة قوى خارجية. لكن في الواقع، كل فرد يتخذ قرارات مستقلة بناء على المحفزات التي يدركها من بيئته. حاول فريق البحث فهم المحفزات التي تدفع الأفراد في الجراد إلى تغيير اتجاههم، وكيف يؤثر ذلك على السرب بأكمله.
مثل قيادة السيارة
لدراسة حركة السرب، قام فريق البحث بعرض صور للحركة تحاكي حركة السرب على الجراد الفردي في سرب الجراد. لقد قاموا بتغيير سرعة حركة الصور لفهم المعلمات التي تسبب تغييرًا في السلوك. ومن خلال عمليات المحاكاة والتحليل المعمق، وجد الباحثون أن حركة الجراد تعتمد في المقام الأول على حاسة البصر. عندما يرى الجراد جيرانه يتحركون في اتجاه معين، فإنه يميل إلى مطابقة اتجاه مشيته مع اتجاههم. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة: "الجراد ليس لديه "قادة" داخل السرب يؤثرون على اتجاهات الجميع"، كما يوضح إيلي. وبحسب قوله فإن حركة السرب وسلوكه يتم تحديدها وتنتج عن التفاعلات المحلية بين الأفراد.
ومن الاكتشافات المذهلة سلوك الجراد أثناء تنقله. ولاحظ فريق البحث أن الأفراد أثناء حركتهم يميلون إلى التوقف لفترات قصيرة جداً ثم يواصلون الحركة. ومن خلال قياس مدة التوقفات وفحص العلاقة بزاوية رؤية الأفراد، يمكن الاستنتاج أن هذه التوقفات تشكل مرحلة حاسمة في عملية اتخاذ القرار في السرب بأكمله. "أظهرت الملاحظات أن هذه التوقفات القصيرة هي في الواقع لحظات لمعالجة المعلومات"، كما يوضح إيلي. "يقوم الجراد بمسح محيطه، ودراسة اتجاه حركة الآخرين، ثم يتخذ قرارًا بشأن كيفية المضي قدمًا - تمامًا مثل السائق الذي يبطئ سرعته للحظة للتحقق من الطريق قبل الاستمرار"، كما يقول.
مستقبل أبحاث السرب
إن فهم حركة أسراب الجراد يمكن أن يؤثر ليس فقط على الزراعة، بل أيضًا على الطيران والذكاء الاصطناعي. يشرح إيلي كيف يمكن للرؤى التي تم جمعها حول آليات اتخاذ القرار لدى الجراد أن تكون بمثابة أساس لتطوير أنظمة أسراب روبوتية متقدمة. على سبيل المثال، يعمل الجيش الأمريكي وشركات التكنولوجيا الرائدة على تطوير طائرات بدون طيار تعمل دون سيطرة مركزية، على أساس اتخاذ القرارات المشتركة بين الوحدات المختلفة - كما هو الحال في سرب الجراد.
الدراسة الحالية ليست سوى قمة جبل الجليد. وتجري حاليا دراسات تبحث في كيفية استخدام هذه الاستنتاجات لإنشاء نماذج أكثر دقة للتنبؤ بحركة الجراد. وبالإضافة إلى ذلك، هناك اهتمام متزايد بإيجاد طرق لتعطيل عملية اتخاذ القرار داخل السرب، بحيث يمكن جعله يغير اتجاهه بشكل استباقي.
لذلك في المرة القادمة التي تسمع فيها عن أسراب الجراد التي تغزو الحقول الزراعية، تذكر: هذه ليست كارثة زراعية فحسب، بل هي أيضًا ظاهرة رائعة يمكن أن تغير الطريقة التي نفهم بها الحركة الجماعية في الطبيعة والتكنولوجيا.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: