قبل ظهور صناعة الفخار والانتقال إلى الزراعة بزمن طويل، كان سكان المستوطنات الأولى في بلاد الشام يعملون بالطين يدوياً. كانوا يشكلونه ويصقلونه، بل ويلعبون به أحياناً. والآن، اتضح أن بعض هذا العمل كان يقوم به الأطفال أيضاً.
تمكن فريق بحث دولي بقيادة الدكتور لوران دوبين، الباحث ما بعد الدكتوراه في معهد الآثار بالجامعة العبرية في القدس، وبإشراف البروفيسور ليئور غروسمان، رئيس مختبر علم الآثار الحاسوبي في الجامعة العبرية، من تحديد أقدم مجموعة معروفة من المجوهرات الطينية في جنوب غرب آسيا. وقد نُشرت النتائج هذا الأسبوع في إحدى المجلات العلمية. علم السلف ويشيرون إلى أن الطين كان يستخدم في هذه المنطقة للتعبير عن الذات، ويروي قصة الهوية والانتماء منذ 15 عام.
تضم المجموعة 142 خرزة وقلادة، صنعها صيادون وجامعو ثمار من الحضارة النطوفية، الذين سكنوا منطقة ما يُعرف اليوم بإسرائيل وبلاد الشام. وكانوا من أوائل المجتمعات في العالم التي استقرت في مستوطنات دائمة لأجيال، قبل آلاف السنين من التحول إلى الزراعة. وحتى الآن، لم يُعثر إلا على القليل من الأدلة على استخدام الطين في صناعة المجوهرات من تلك الفترة، إذ لا يُعرف سوى خمس خرزات طينية من العصر النطوفي على مستوى العالم.
يقول الدكتور دوبين: "هذا الاكتشاف يغير فهمنا للعلاقة بين الطين والرمزية وظهور الحياة في المستوطنات الدائمة".
مجال البحث
عُثر على هذه القطع في أربعة مواقع نطوفية: الواد، ونحال أورين، واليونم، وعينان ملاحة، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 3,000 عام من النشاط الاستيطاني. وتتميز هذه الخرزات بصغر حجمها الشديد، وقد شُكّلت من الطين غير المحروق على هيئة أسطوانات وأقراص وأشكال بيضاوية.
تم تغطية العديد من القطع بالمغرة الحمراء باستخدام تقنية التغليف الطيني - وهي عبارة عن طبقة رقيقة من الطين السائل تُوضع على السطح. ووفقًا للباحثين، تُعد هذه أقدم حالة معروفة لهذه التقنية.
إن العدد الكبير والتنوع والانتشار عبر المواقع والأزمنة يدل على أن هذه ليست محاولة لمرة واحدة، بل هي تقليد مستقر تكرر واستمر لأجيال.
الموجودات
حدد الباحثون 19 نوعًا مختلفًا من الخرز. يشبه العديد منها النباتات التي كانت أساسية في الحياة اليومية للنطوفيين - مثل الشعير البري والقمح أحادي الحبة والعدس والبازلاء - وهي نفس النباتات التي تم جمعها وزراعتها في ذلك الوقت، وأصبحت فيما بعد أساس الزراعة.
تم الحفاظ على آثار الألياف النباتية على بعض الخرز، مما يوفر دليلاً نادراً على طريقة الربط والارتداء، والمواد العضوية التي عادة لا تبقى في السجل الأثري.
من أبرز الاكتشافات في هذه الدراسة ما يتعلق بسطح القطع الأثرية. فقد احتوت الخرزات على 50 بصمة إصبع، مما مكّن الباحثين من تحديد أن هذه المجوهرات صُنعت على يد أشخاص من مختلف الأعمار - أطفال، ومراهقين، وبالغين. ووفقًا للدراسة، تُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها تحديد صانعي المجوهرات من العصر الحجري القديم بشكل مباشر، كما أنها أكبر مجموعة من بصمات الأصابع من نوعها من تلك الفترة.
ومن بين الاكتشافات قطعة يبدو أنها مخصصة للأطفال: خاتم طيني صغير بقطر حوالي 10 ملم.
تشير الصورة العامة إلى أن صناعة المجوهرات كانت نشاطًا يوميًا مشتركًا، وجزءًا من عملية تعلم وتقليد ونقل العادات والقيم في المجتمع.
السياق التاريخي
لسنوات عديدة، ساد الاعتقاد بأن الاستخدامات الرمزية للطين مرتبطة بالعصر الحجري الحديث، أي بعالم الزراعة وصناعة الفخار. إلا أن الدراسة الحالية، إلى جانب اكتشاف تمثال طيني آخر في موقع ناهال عين جيف 2، تشير إلى صورة أقدم: ففي المراحل الأولى للاستيطان، عندما كانت المجتمعات لا تزال تعتمد على الصيد وجمع الثمار، استُخدم الطين في الإبداع الشخصي والتواصل البصري داخل المجتمع.
ويخلص البروفيسور ليور غروسمان إلى القول: "تشير النتائج إلى أن العمليات الاجتماعية والرمزية، التي تم ربطها بالعصر الحجري الحديث حتى يومنا هذا، بدأت في مرحلة مبكرة من الاستيطان الدائم".
المقال البحثي بعنوان: "نمذجة الهويات بين المجتمعات المستقرة الأولى: ظهور الحلي الشخصية الطينية في العصر الحجري القديم المتأخر في جنوب غرب آسيا"
https://doi.org/10.1126/sciadv.aea2158
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: