تشير الأبحاث إلى أن معبد الكرنك قد بُني على "جزيرة" شكلها نهر النيل، وربما تم اختياره بناءً على أساطير الخلق.

وقد توصل تحقيق جيولوجي أثري شامل حول الكرنك بالقرب من الأقصر إلى أن الموقع أصبح صالحًا للسكن فقط بعد عام 2520 قبل الميلاد، ويشير إلى جزيرة مرتفعة بين قنوات النيل القديمة التي قد تفسر أيضًا المنطق الديني وراء اختيار الموقع.

أخذ عينات من التربة من منطقة معبد الكرنك في مصر. حقوق الصورة: د. بن بنينجتون
أخذ عينات من التربة من منطقة معبد الكرنك في مصر. حقوق الصورة: د. بن بنينجتون

تشير أبحاث رائدة إلى أن معبد الكرنك الشهير بُني في الموقع الذي "انبثقت منه مياه النيل" معاً، وفقاً للأساطير المصرية القديمة. وقد أنجز فريق دولي من علماء الآثار أدق وأشمل مسح جيولوجي أثري أُجري على الإطلاق في هذا المعبد التاريخي قرب الأقصر، أحد أكبر وأروع مجمعات المعابد في العالم القديم، والمُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

يقدم هذا الفحص المبتكر صورة أوضح بكثير لتاريخ أول مستوطنة في هذا الموقع المقدس، ويشير إلى وجود صلة محتملة ورائعة بين اختيار موقعه الدقيق والمفاهيم المصرية القديمة والعميقة حول خلق العالم وبداية الوجود.

تقدم النتائج الرائعة، التي نُشرت مؤخرًا في المجلة العلمية الرائدة "أنتيكويتي"، أدلة جديدة ومدهشة حول العمر الحقيقي للمعبد، وتفحص بعمق الروابط المحتملة بالأساطير المصرية، وتشرح بالتفصيل كيف أثرت التغيرات في مشهد النيل بشكل حاسم على أولئك الذين عاشوا في الموقع ووسعته على مدى فترة طويلة تبلغ حوالي ثلاثة آلاف عام.

"يقدم بحثنا الجديد تفاصيل غير مسبوقة حول التطور الملحوظ لمعبد الكرنك، من جزيرة صغيرة إلى أن أصبح أحد أهم المؤسسات وأكثرها مركزية في مصر القديمة"، يوضح الدكتور بن بينينجتون، المؤلف الرئيسي للدراسة وزميل باحث زائر متميز في علم الآثار الجيولوجية في جامعة ساوثهامبتون.

الموقع التاريخي للكرنك

يقع معبد الكرنك على بعد حوالي خمسمائة متر شرق وادي النيل الحديث، بالقرب من الأقصر، في منطقة كانت ذات يوم القلب الديني النابض لمصر القديمة في مدينة طيبة القديمة والرائعة.

تشير الأبحاث الجديدة إلى أن معبد الكرنك نشأ من جزيرة كانت في الأصل جزءًا من نهر النيل، مما يُغير فهمنا الحالي لأصوله بشكل كبير. وقد يكون الموقع الجغرافي الفريد والمميز قد اختير عمدًا ليعكس ويجسد معتقدات المصريين القدماء حول الخلق وبداية العالم.

إعادة بناء البيئة القديمة المحيطة بمعبد الكرنك

أخذ عينات من التربة من منطقة معبد الكرنك في مصر. حقوق الصورة: د. بن بنينجتون
أخذ عينات من التربة من منطقة معبد الكرنك في مصر. حقوق الصورة: د. بن بنينجتون

قاد فريق البحث الدولي الدكتور أنغوس غراهام من جامعة أوبسالا في السويد، وضمّ الفريق نخبة من الباحثين البارزين من جامعة ساوثهامبتون. وقد فحص الباحثون بدقة وتفصيل 61 عينة من لباب الرواسب المأخوذة من مواقع مختلفة داخل مجمع المعبد الشاسع ومحيطه المباشر. ولضمان دقة ومعايرة التسلسل الزمني التاريخي، قاموا أيضاً بتحليل عشرات الآلاف من شظايا الفخار القديمة التي عُثر عليها في الموقع على مدار سنوات البحث.

سمح دمج هذه البيانات بدقة متناهية للفريق بإعادة بناء كيفية تغير وتطور المشهد المحيط بالموقع خلال فترات تاريخية مختلفة. ووفقًا للتحليل الدقيق، قبل حوالي 2520 عامًا، كانت المنطقة تتعرض للفيضانات المتكررة والسريعة لنهر النيل، مما جعل الاستيطان المستقر طويل الأمد في الموقع أمرًا مستحيلاً تمامًا.

لذا، يُرجّح أن أقدم استيطان مستمر لمعبد الكرنك يعود إلى عصر الدولة القديمة في مصر (حوالي 2591 إلى 2152 قبل الميلاد). وتؤكد الاكتشافات الفخارية القديمة هذا الاستنتاج، إذ يعود تاريخ أقدم القطع المكتشفة إلى الفترة ما بين 2305 و1980 قبل الميلاد تقريبًا.

"لقد كان العمر الحقيقي لمعبد الكرنك موضوع نقاش حاد ومستمر في الأوساط الأثرية لسنوات عديدة، لكن أدلتنا الجديدة والصلبة تضع حدًا زمنيًا أكثر وضوحًا لأقدم استيطان وبناء في الموقع"، أوضح الدكتور كريستيان ستورت، وهو شريك بحثي رئيسي من جامعة ساوثهامبتون.

كيف خلقت قنوات الأنهار أرضًا مقدسة

بحسب نتائج البحث المفصلة، ​​فإن الأرض التي شُيّد عليها معبد الكرنك المهيب لاحقًا قد تشكلت نتيجةً لتآكل قنوات النيل القديمة وتعميق ضفافها غربًا وشرقًا من الموقع. وقد خلّفت هذه العملية الجيولوجية الطبيعية "جزيرة" مرتفعة ذات أرض أكثر استقرارًا وصلابةً فيما يُعرف الآن بالأجزاء الشرقية والجنوبية الشرقية من حرم المعبد الواسع. وقد وفّرت هذه المنطقة المرتفعة والمستقرة قاعدةً مثاليةً ومناسبةً للاستيطان المبكر والبناء الأولي.

على مدى القرون اللاحقة، تباعدت مجاري الأنهار على جانبي الجزيرة تدريجياً، وهي عملية طبيعية لتغيير مجاري الأنهار. وقد أدى هذا التحرك الطبيعي البطيء إلى فتح مساحات إضافية من الأرض المستقرة، مما سمح لمجمع المعبد بالتوسع والنمو تدريجياً مع مرور الوقت إلى أبعاده الهائلة.

تتعلق إحدى النتائج المفاجئة وغير المتوقعة بالقناة الشرقية لنهر النيل: ففي الدراسات الأثرية السابقة، كان يُنظر إليها إلى حد كبير على أنها فرضية نظرية، لكن البيانات الجديدة والصلبة تُظهر بوضوح وجود قناة محددة جيدًا ونشطة هناك، ومن المحتمل جدًا أنها كانت أكبر وأوسع من القناة الغربية التي ركزت عليها الدراسات السابقة.

أوضح دومينيك باركر، الباحث الرئيسي المتعاون من جامعة ساوثهامبتون: "لقد شكلت القنوات القديمة التي أحاطت بالموقع من كلا الجانبين بشكل مباشر وحاسم كيفية تطور المعبد ومكان بنائه. وغالباً ما كانت تُبنى الإنشاءات الجديدة والتوسعات فوق قنوات الأنهار القديمة التي لم تعد نشطة، بعد أن امتلأت بشكل طبيعي بالطمي والرواسب."

وأضاف مؤكداً: "نرى بوضوح أيضاً كيف قام المصريون القدماء بتشكيل وتغيير مجرى النهر نفسه عن قصد، على سبيل المثال عن طريق إلقاء الرمال من الصحراء المجاورة في قنوات معينة، ربما لخلق أرض جديدة مستقرة لبناء المعبد وتوسيعه بشكل أكبر".

التشابه المذهل مع أساطير الخلق المصرية

يُظهر إعادة بناء المشهد الجيولوجي القديم أسفل موقع معبد الكرنك تشابهاً لافتاً ومذهلاً مع الصور والأوصاف الواردة في قصص الخلق الشهيرة في مصر القديمة. وقد دفع هذا التشابه اللافت الباحثين إلى اقتراح نظرية مثيرة للاهتمام مفادها أن الأفكار الدينية والمعتقدات الكونية أثرت بشكل كبير على اختيار الموقع الدقيق للمعبد.

تصف النصوص القديمة من المملكة المصرية القديمة الإله الخالق بأنه يظهر ويتجلى على هيئة تل مرتفع من الأرض الصلبة يرتفع من "البحيرة البدائية" أو "مياه الهاوية". ومن الجدير بالذكر أن الجزيرة الطبيعية التي بُني عليها معبد الكرنك في نهاية المطاف هي المنطقة المرتفعة الوحيدة المعروفة في المنطقة الأوسع التي كانت محاطة بالماء من جميع الجهات.

"من المغري جداً اقتراح وطرح احتمال أن النخبة الحاكمة في طيبة اختارت عن قصد الموقع المحدد لمعبد الكرنك كمكان مناسب لمقر ظهور جديد ومتجدد للإله الخالق، 'رع آمون'، وذلك تحديداً لأن الموقع الطبيعي كان مناسباً تماماً لمشهد الخلق الموصوف في الأساطير: أرض عالية ومستقرة ترتفع وتنبثق من المياه العميقة المحيطة بها"، كما يوضح الدكتور بينينجتون بحماس.

تُوسّع النصوص والكتابات الدينية اللاحقة من عصر الدولة الوسطى (حوالي 1980 إلى 1760 قبل الميلاد) هذه الفكرة اللاهوتية وتُعمّقها، واصفةً بمزيد من التفصيل "التل البدائي" أو "التل الأول" الذي يرتفع وينبثق من "مياه الفوضى" أو "المحيط البدائي". في تلك الحقبة التاريخية، كان انحسار مياه فيضان النيل الموسمي والدوري يُجسّد هذه الأسطورة الدينية ويُبرهن عليها مباشرةً للمراقب المؤمن: إذ كان التل الطبيعي أسفل معبد الكرنك يبدو وكأنه يرتفع وينتشر بالفعل مع انحسار المياه تدريجيًا بعد موسم الفيضان.

توسيع نطاق البحث في سهل الأقصر الفيضي

بعد حصول فريق البحث الدولي على موافقة رسمية من السلطات المصرية لاستكشاف ومسح سهل الأقصر الفيضي الشاسع، يُوسّع الفريق نطاق عمله العلمي والميداني ليشمل مواقع أثرية رئيسية أخرى في المنطقة التاريخية. والهدف المعلن من هذا التوسع هو فهم أفضل وأشمل لكيفية تأثير المناظر الطبيعية والممرات المائية القديمة على تطور العاصمة الدينية والثقافية لمصر القديمة على مدى آلاف السنين.

تفاصيل الإعلان والتمويل

المرجع العلمي: دراسة بعنوان "الأصول المفاهيمية والتطور الجيومورفولوجي لمعبد آمون رع في الكرنك (الأقصر، مصر)"، من تأليف بنيامين توماس بنينجتون وزملاؤه، نُشرت في 6 أكتوبر 2025 في مجلة "أنتيكويتي" العلمية. المعرّف الرقمي: DOI: 10.15184/aqy.2025.10185

حظي مشروع البحث الشامل بدعم مالي من مؤسسة كنوت وأليس فالنبرغ (رقم المنحة KAW 2013.0163) وجامعة أوبسالا (رقم المنحة HUMSAM 2014/17)، بالإضافة إلى منحة صغيرة إضافية من مؤسسة موش إس وانغستيدتس. أُجري البحث الميداني والأثري بالكامل تحت رعاية وإشراف جمعية استكشاف مصر، وبموافقة رسمية وصريحة من وزارة السياحة والآثار في حكومة مصر.

للمادة العلمية

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.