قياسات جديدة تُقلّص حجم كوكب المشتري: الكوكب العملاق أصغر وأكثر تسطحاً مما كنا نعتقد

أظهر تحليل 26 قياسًا لاسلكيًا من مهمة جونو، عندما مرت المركبة الفضائية خلف كوكب المشتري، أن الكوكب ضيق عند خط الاستواء ويبلغ عرضه حوالي 8 كيلومترات، ومسطح عند القطبين يبلغ عرضه حوالي 24 كيلومترًا - وهو تغيير يحسن نماذج البنية الداخلية والرياح.

القطب الجنوبي لكوكب المشتري كما لوحظ خلال تحليق قريب لمركبة جونو (حقوق الصورة: ناسا).
القطب الجنوبي لكوكب المشتري كما لوحظ خلال تحليق قريب لمركبة جونو (حقوق الصورة: ناسا).

"ستحتاج الكتب المدرسية إلى التحديث.يقول البروفيسور يوشاي كاسبي من قسم علوم الأرض والكواكب في معهد وايزمان للعلوم: "لأكثر من خمسين عامًا، بدا أن أبعاد كوكب المشتري - أكبر كواكب المجموعة الشمسية - معروفة جيدًا. أما الآن، وبفضل أساليب القياس المتقدمة والبيانات الجديدة، يتم تحديث هذه الأرقام، ومعها يتحسن فهمنا لشكل هذا الكوكب العملاق الغازي."

في دراسة نُشرت في 2 فبراير 2026 في مجلة Nature Astronomy قدّم فريق بحث دولي، بقيادة علماء من معهد وايزمان، أدقّ قياس حتى الآن لحجم وشكل كوكب المشتري. قد تبدو النتيجة "صغيرة" بالمعنى المتعارف عليه، لكنها ذات أهمية بالغة لعلم الكواكب: فالمشتري أضيق قليلاً عند خط الاستواء، وأكثر تسطحاً عند القطبين، مما كان يُعتقد سابقاً.

كيفية قياس أبعاد كوكب المشتري، ولماذا لا تُعتبر مجرد صورة فوتوغرافية

للوهلة الأولى، يبدو الأمر بسيطاً: إذا عرفت المسافة إلى كوكب المشتري وتتبعت دورانه، يمكنك استنتاج حجمه وشكله. لكن عملياً، لتحقيق دقة تصل إلى بضعة كيلومترات، يلزم استخدام أساليب أكثر تعقيداً.

اعتمدت المقاييس التي استندت إليها الكتب المدرسية لسنوات عديدة على ستة قياسات فقطأُجريت هذه القياسات قبل نحو خمسة عقود كجزء من مهمتي فوياجر وباينير التابعتين لوكالة ناسا. وقد استُقبلت هذه القياسات باستخدام إشارات راديوية مُرسلة من المركبة الفضائية إلى الأرض. وقد مكّنت هذه الإشارات من حساب، من بين أمور أخرى، كيفية تأثير بيئة كوكب المشتري على انتشار الموجات الراديوية، ومن ثم تقدير أبعاد الكوكب.

جاء هذا الإنجاز الجديد بفضل مهمة جونو. أُطلقت المركبة الفضائية عام 2011 ودخلت مدارًا حول كوكب المشتري عام 2016. وفي عام 2021، مُدّدت المهمة، وكجزء من هذا التمديد، جرى تحديث مسارها بحيث تمر المركبة الفضائية أيضًا من منظور الأرض. خلف العدالةيبدو هذا التغيير تقنياً، ولكنه فتح إمكانية قياس فريدة: فعندما تمر المركبة الفضائية خلف الكوكب، يتم حجب إشارة الراديو التي تبثها، وأثناء المرور يتم "ثنيها" أيضاً بواسطة الغلاف الجوي لكوكب المشتري.

هنا يبرز المبدأ الفيزيائي الكامن وراء القياس: فالغلاف الجوي ليس "فراغًا"، بل هو طبقات من الغازات ذات كثافات ودرجات حرارة مختلفة. وتؤدي التغيرات في الكثافة ودرجة الحرارة إلى تغيير مسار الموجات الراديوية. فإذا قمنا بقياس انحناء الإشارة وتضاؤلها بدقة متناهية أثناء مرورها "خلف" الكوكب، يُمكننا استنتاج موقع حدود كوكب المشتري بدقة عالية، ومساهمة الغلاف الجوي في الصورة الكلية.

يؤكد الدكتور سكوت بولتون، الباحث الرئيسي في مهمة جونو من معهد ساوث ويست للأبحاث في سان أنطونيو، تكساس، أن المدار الجديد يمثل فرصة لتحقيق أهداف علمية جديدة. ويشير إلى أنه عندما تمر المركبة الفضائية خلف كوكب المشتري، يحجب الغلاف الجوي الإشارة اللاسلكية ويشوهها، مما يسمح بقياس أبعاد الكوكب بدقة أكبر.

ما وجدوه: عدالة أضيق وأكثر تسطحاً

استغل فريق البحث في معهد وايزمان الفرصة الجديدة لتحليل مجموعة بيانات أكبر بكثير من ذي قبل. فبدلاً من ستة قياسات تاريخية، قاموا هذه المرة بتحليل... 26 قياسات جديدة تم جمع هذه البيانات كجزء من مهمة جونو. ووفقًا للدكتور إيلي غالانت، فقد أرست القياسات القديمة أسسًا مهمة لفهم كوكب المشتري، ولكن أصبح من الممكن الآن فحص الكوكب باستخدام قاعدة بيانات أكثر ثراءً وحداثة، وبطريقة قياس تنتج وضوحًا عاليًا بشكل استثنائي.

لتحويل الإشارات اللاسلكية إلى معلومات فيزيائية دقيقة، استلزم الأمر معالجة متقدمة للبيانات. طورت الدكتورة ماريا سميرنوفا، طالبة الدكتوراه في مجموعة البروفيسور كاسبي، طريقة فريدة لمعالجة البيانات الجديدة من مركبة جونو. ووفقًا لوصف الدراسة، تتبع الفريق كيفية "انحناء" الإشارات اللاسلكية أثناء مرورها عبر غلاف جو كوكب المشتري. ثم قاموا بتحويل هذه المعلومات إلى خرائط تفصيلية لدرجة الحرارة والكثافة، ومن ثم رسموا صورة بالغة الدقة للحجم والشكل.

وماذا أظهرت البيانات؟

  • في منطقة خط الاستواء، كوكب المشتري أضيق بحوالي 8 كيلومترات مقارنة بالتقديرات السابقة.
  • في المناطق القطبية أكثر انبساطاً بحوالي 24 كيلومتراً مقارنة بما كان يُعتقد سابقاً.

المعنى الهندسي واضح: كوكب المشتري أكثر تسطحًا، مما يعني أن الفرق بين خط الاستواء والقطبين أكبر قليلًا من "الرقم الرسمي" القديم. ويؤكد البروفيسور كاسبي أن الكوكب نفسه لم يتغير، وإنما تغيرت دقة القياس وطريقته.

من المهم هنا فهم سبب إثارة هذه "البضعة كيلومترات" لقلق العلماء. تعتمد نماذج البنية الداخلية لكوكب المشتري، وتوزيع الكثافة داخله، والعلاقة بين الغلاف الجوي وعمقه الداخلي، على قيم مرجعية. وعندما تتغير هذه القيم المرجعية، ولو بشكل طفيف، تصبح الشروط التي يجب أن تتوافق معها النماذج، سواءً قياسات الجاذبية أو الغلاف الجوي، أكثر دقة أو تتغير.

يوضح الدكتور غالانت أن هذه الكيلومترات القليلة "بالغة الأهمية"، لأن تغييراً طفيفاً في نصف قطر الكوكب يسمح للنماذج بمواءمة بيانات الجاذبية والقياسات الجوية بشكل أفضل. وقد درست مايان زيف، طالبة الدكتوراه في مجموعة البروفيسور كاسبي، هذه الدلالة باستخدام نماذج متقدمة لبنية الكثافة الداخلية لكوكب المشتري. ووفقاً للدراسة، تُظهر النماذج المُحدَّثة أن الشكل الجديد يُسهم في سد الفجوات التي كانت قائمة بين التوقعات والملاحظات.

ليس الحجم فقط: الرياح والعواصف وما يعنيه ذلك للكواكب الغازية

المرور "خلف" كوكب المشتري: يسمح حجب وثني إشارة الراديو بقياس أكثر دقة لشكل الكوكب.
تم تحديث أبعاد كوكب المشتري بعد مهمة جونو الفضائية

يشير البروفيسور كاسبي إلى جانب آخر عزز الاستنتاجات: لم تأخذ القياسات السابقة في الحسبان بشكل كامل رياح كوكب المشتري العاتيةساعد إدخال بيانات الرياح في الحسابات الفريق على حلّ التناقضات القائمة منذ زمن طويل في القياسات السابقة. ويوضح أن من الصعب للغاية معرفة ما يحدث تحت السحب، لكن بيانات الراديو تفتح نافذة على عمق رياح خطوط العرض العليا وقوة الأعاصير.

إنّ فهمًا أفضل للرياح ليس مجرد "ميزة إضافية"، بل يرتبط بسؤال أعمق: إلى أي مدى يرتبط غلاف جوّ كوكب المشتري بباطنه؟ هل ما نراه على السطح طبقة سطحية نسبيًا، أم أنه مظهر من مظاهر عمليات أعمق؟ وفقًا للمقال، يرتبط هذا الفهم أيضًا بدراسة أخرى أجراها البروفيسور كاسبي، بقيادة الدكتور نمرود غابرييل، ونُشرت مؤخرًا في مجلة PNAS. استخدمت تلك الدراسة قياسات مركبة جونو لحركة الأعاصير العملاقة عند القطبين للتنبؤ بمدى توغلها في كوكب المشتري. ووفقًا للوصف، تم التحقق من صحة التنبؤ لاحقًا باستخدام قياسات إشعاعية جديدة من جونو.

وهناك أيضاً رسالة أوسع نطاقاً لعلم الكواكب: يُعدّ كوكب المشتري "نقطة مرجعية" أساسية لفهم الكواكب الغازية العملاقة، سواء في النظام الشمسي أو خارجه. إن قياس كوكب المشتري بدقة أكبر يُسهّل تقييم خصائص الكواكب الغازية الأخرى، وفهم أيّ النماذج تعمل بشكل جيد وأيّها يحتاج إلى مراجعة.

بحسب أحدث القياسات، يبلغ نصف قطر كوكب المشتري عند خط الاستواء حوالي 7% أكبر من نصف قطره عند القطبين. وللمقارنة، لا تتجاوز نسبة الفرق بين نصفي القطرين على الأرض 0.33%. هذا يعني أن كوكب المشتري أكثر تفلطحًا من كوكبنا بحوالي 20 مرة. ويعود سبب ذلك إلى سرعة دورانه، وبنيته الداخلية المعقدة، ورياحه الجوية.

يقول البروفيسور كاسبي إنّ هذه الدراسات تساعدنا في نهاية المطاف على فهم كيفية تشكّل الكواكب وتطورها. من المرجّح أن يكون كوكب المشتري أول كوكب يتشكّل في النظام الشمسي، لذا فإنّ فهمه يُقرّبنا من فهم تكوين النظام الشمسي بأكمله، بما في ذلك الأرض.

وبالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن تستخدم مجموعة كاسبي الأساليب التي طُوّرت في هذه الدراسة لتحليل البيانات التي ستبدأ بالتدفق من مهمة JUICE، وهي مركبة فضائية غير مأهولة تابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والمقرر إطلاقها في عام 2023. ووفقًا للمقال، تحمل المركبة الفضائية جهاز تم تطويره في معهد وايزمانومن المتوقع أن يسمح ذلك بإلقاء نظرة أعمق على غلاف الكوكب الغازي العملاق.

كما تجدر الإشارة إلى أن مهمة جونو تُدار بواسطة مختبر الدفع النفاث (JPL) - وهو قسم من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) - لصالح مديرية المهام العلمية التابعة لناسا (SMD) في واشنطن.

للمزيد من المعلومات حول مهمة جونو:

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: