يحذر باحثون مجريون من التأثير طويل الأمد لانقطاع التواصل مع برامج البحث التابعة للاتحاد الأوروبي في عهد أوربان

تحذير لإسرائيل: بعد أكثر من ثلاث سنوات تم خلالها منع عشرات المؤسسات البحثية والتعليم العالي في المجر من الوصول إلى برنامجي Horizon Europe و Erasmus+، أفاد الباحثون بفقدان التعاون، والإضرار بالسمعة، وصعوبة خاصة للباحثين الشباب، وحذروا من أن استعادة الثقة بين أوروبا والمؤسسات الأكاديمية في المجر ستستغرق وقتاً طويلاً.

مقاطعة أكاديمية للمجر. هل إسرائيل على وشك الانضمام إليها؟ رسم توضيحي: آفي بيليزوفسكي عبر دالي
مقاطعة أكاديمية للمجر. هل إسرائيل على وشك الانضمام إليها؟ رسم توضيحي: آفي بيليزوفسكي عبر دالي

يحذر باحثون في المجر من أن استمرار استبعاد عشرات المؤسسات الأكاديمية في البلاد من برامج البحث والتبادل التابعة للاتحاد الأوروبي قد ألحق ضرراً بالغاً بنظام التعليم العالي. ووفقاً لتقرير نشرته مجلة "ساينس | بيزنس"، فإن الحظر المفروض على 30 مؤسسة بحثية وتعليمية مجرية من المشاركة في برنامجي "هورايزون يوروب" و"إيراسموس+" قد استمر لأكثر من ثلاث سنوات، ولا يقتصر تأثيره على المؤسسات المدرجة رسمياً في القائمة فحسب، بل يمتد ليشمل الباحثين المجريين في مؤسسات أخرى.

صرح الرئيس المجري المنتخب بيتر ماجيار مؤخراً بأنه سيعيد مشاركة المجر في برامج البحث التابعة للاتحاد الأوروبي، وخاصة برنامج "هورايزون أوروبا".

تعود خلفية الأزمة إلى قرار الاتحاد الأوروبي الصادر عام 2022، عقب تغيير هيكلي نفذته حكومة فيكتور أوربان في العديد من الجامعات والمؤسسات العلمية. وكجزء من هذا التغيير، نُقلت إدارة هذه المؤسسات إلى مؤسسات عامة، يرأسها مجالس أمناء تضم أعضاءً تربطهم علاقات وثيقة بالحكومة، بعضهم معينون لفترات طويلة دون رقابة كافية. اعتبر الاتحاد الأوروبي هذا انتهاكًا للحرية الأكاديمية والشفافية وقواعد الإدارة الرشيدة، وقرر منع هذه المؤسسات من الحصول على التمويل الأوروبي.

وصف جيرجيلي كوفاتش، مدير مركز دراسات التعليم العالي الدولي في جامعة كورفينوس ببودابست، القرار بأنه "قنبلة ذرية" حلت بالتعليم العالي في المجر. وأوضح أن الباحثين، عندما يُمنعون من تقديم طلبات مشتركة، أو الانضمام إلى اتحادات أوروبية، أو إجراء بحوث مشتركة، يُهمّشون تدريجياً. وفي المجر، باتت هذه الظاهرة تُعرف باسم "هوكسيت الأكاديمي"، وهو مصطلح مُشتق من "بريكست"، ويعكس شعوراً بالانفصال القسري عن الفضاء الأوروبي.

سعت الحكومة المجرية إلى إنشاء برامج وطنية بديلة مماثلة لبرنامجي "هورايزون أوروبا" و"إيراسموس+"، بل وشجعت الباحثين على البحث عن تعاونات خارج الاتحاد الأوروبي. ووفقًا للتقرير، شُجع الباحثون في إحدى المؤسسات البحثية على النشر مع زملاء من كازاخستان أو منغوليا أو أي مكان آخر خارج الاتحاد الأوروبي. إلا أن هذه البدائل لا تعوض فقدان الوصول إلى شبكات البحث الأوروبية، ولا سيما فقدان القدرة على الاندماج في مشاريع تنافسية ضخمة.

الإصابة الشخصية

لا يقتصر الضرر على الجانب المؤسسي فحسب، بل يمتد إلى الجانب الشخصي أيضًا. فقد صرّحت أغنيس سونمار، المحاضرة في جامعة كورفينوس ورئيسة معهد الدراسات العالمية، بأنها فوّتت فرصة الانضمام إلى اتحاد أوروبي كان يبحث عن خبير من أوروبا الشرقية والوسطى في الشؤون الصينية. وأوضحت أنه بعد أن ساهمت في إعداد المقترح، اكتشف أعضاء الاتحاد أن جامعتها مشمولة بالحظر، فاختاروا عدم إدراجها خشية أن يُضعف ذلك طلب التمويل. وأكدت أن الباحثين أنفسهم لم يرتكبوا أي خطأ، لكنهم هم من يُجبرون على دفع الثمن واستعادة سمعتهم.

تُعدّ هذه المشكلة بالغة الصعوبة بالنسبة للباحثين الشباب، الذين لم تتح لهم الفرصة بعد لبناء شبكة علاقات دولية راسخة. قد يعتمد الباحثون المخضرمون أحيانًا على علاقاتهم القائمة، لكن الباحثين في المراحل المبكرة يحتاجون بشكل خاص إلى المنح والتعاون والمؤتمرات لترسيخ مكانتهم. وعندما يتردد الشركاء الأوروبيون في إشراك مؤسسة مجرية في مقترح بحثي، قد يجد حتى الباحثون الموهوبون أنفسهم مُستبعدين.

كما تضررت العلوم الاجتماعية بشدة. صرّح البروفيسور جيورجي لينجيل، الأستاذ الفخري في معهد كورفينوس للدراسات المتقدمة، بأنه شارك لسنوات في مشاريع أوروبية ضمن برامج البحث التابعة للاتحاد الأوروبي، لكن منذ انتهاء مشروع "هورايزون 2020" الذي كان مشاركًا فيه، بات من الصعب بشكل متزايد إيجاد شركاء. وأضاف أن العلوم الاجتماعية في المجر كانت تعاني أصلًا من نقص التمويل الحكومي، وأن الانفصال الأوروبي قد فاقم الوضع.

يعرقل الاتحاد الأوروبي أيضاً تمويلاً إضافياً للمجر، يصل إلى نحو 17 مليار يورو، بسبب مخاوف أوسع نطاقاً تتعلق بالفساد وسيادة القانون وحقوق المثليين. ومع ذلك، ثمة خلاف بين الباحثين حول مبررات هذا الحظر الأكاديمي. يرى البعض أنه مبررٌ بسبب خطر تركز السلطة في أيدي مجالس أمناء الجامعات، بينما يرى آخرون أنه يُعاقب الفئات الخاطئة: الطلاب والباحثين غير الخاضعين للمساءلة أمام الهيكل السياسي الذي أنشأته الحكومة.

تُثير التطورات السياسية الأخيرة في المجر آمالاً بالتغيير. فبحسب التقرير، أعلن بيتر ماغيار وحزبه "تيسا" عزمهما تغيير نموذج التمويل وإعادة المؤسسات المجرية إلى المشاركة الكاملة في البرامج الأوروبية. وفي خطاب ألقاه في الأكاديمية المجرية للعلوم، تعهّد ماغيار بالعمل على إعادة المجر إلى برنامجي "هورايزون أوروبا" و"إيراسموس+"، متهمًا الحكومة السابقة بالتعامل مع المجتمع العلمي كعدو لا كشريك.

مع ذلك، لن يكون حل الأزمة بالأمر الهين. يتمثل أحد الخيارات في إلغاء نموذج المؤسسات التعليمية وإعادة الجامعات إلى وضعها كمؤسسات عامة نظامية. وثمة خيار آخر يتمثل في تعديل النموذج الحالي ليتوافق مع متطلبات الاتحاد الأوروبي، وذلك بتغيير تشكيل مجالس الأمناء، وتقليص صلاحياتها، وتعزيز صلاحيات مجلس الشيوخ الأكاديمي، وزيادة آليات المساءلة والرقابة. وفي دول أوروبية أخرى، توجد نماذج لجامعات تعمل من خلال مؤسسات تعليمية، إلا أن صلاحيات مجالس الأمناء فيها أكثر تقييدًا.

من الأكاديمية – أيضاً في إسرائيل

تُعدّ التجربة المجرية ذات صلة بإسرائيل أيضاً، لأنها تُبيّن كيف يمكن لهجوم على استقلالية المؤسسات الأكاديمية أن يتحوّل سريعاً من قضية داخلية إلى أزمة دولية. ففي المجر، أدّى نقل الجامعات إلى مؤسسات عامة تسيطر على مجالس إدارتها جهات تابعة للحكومة إلى قيام الاتحاد الأوروبي بمنع عشرات المؤسسات من الوصول إلى برنامجي "هورايزون أوروبا" و"إيراسموس+".

في إسرائيل، يُهدد وزير التعليم يوآف كيش حاليًا بفرض عقوبات مالية وسنّ تشريعات ضد الجامعات التي تتخذ مواقف عامة أو سياسية. ورغم اختلاف الوضع في إسرائيل، إلا أن الدرس المستفاد من المجر واضح: عندما تحاول الحكومة إعادة تشكيل حدود الحرية الأكاديمية واستقلالية المؤسسات، فإن التكلفة لا تقتصر على الساحة المحلية، بل قد تُلحق الضرر بثقة الشركاء الدوليين، ومنح البحوث، والتعاون، ومكانة الأوساط الأكاديمية كمساحة مستقلة للنقد والمعرفة.

تُبرز الأزمة المجرية كيف يمكن لقضايا حوكمة الشركات والشفافية والحرية الأكاديمية أن تؤثر بشكل مباشر على قدرة أي دولة على الاندماج في العلوم الأوروبية. بالنسبة للباحثين المجريين، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان التمويل سيُستأنف، بل يتعداه إلى إمكانية استعادة الثقة التي تضررت بسرعة. حتى في حال رفع الحظر، قد يستغرق الأمر وقتًا قبل أن تنظر التكتلات الأوروبية إلى المؤسسات المجرية كشركاء طبيعيين وموثوقين مرة أخرى.

للمادة العلمية

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:


ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.