عندما يترك الفيروس أثراً: قد تفسر "البصمة" اللاجينية بعد الشفاء من التهاب الكبد الوبائي سي استمرار خطر الإصابة بسرطان الكبد

يبحث البحث الذي تقوده البروفيسورة ميتال غال-تانامي من جامعة بار إيلان وبدعم من مؤسسة العلوم الإسرائيلية كيف يتمكن الفيروس الذي يبقى في السيتوبلازم من تغيير التحكم الجيني في النواة، ويحاول تحديد نقاط التدخل لتقليل خطر الإصابة بالسرطان حتى بعد سنوات من القضاء على الفيروس.

كبد مصاب بالتهاب الكبد. صورة توضيحية: depositphotos.com
كبد مصاب بالتهاب الكبد. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

حتى في عصرٍ بات فيه علاج معظم حاملي فيروس التهاب الكبد الوبائي سي ممكنًا بفضل الأدوية الفعّالة، يبقى لغز طبي محيّر قائمًا: إذ يُصاب بعض المرضى بسرطان الكبد حتى بعد سنوات من اختفاء الفيروس من الجسم. تقول البروفيسورة ميتال غال-تانامي، العميدة المساعدة للبحث العلمي في كلية عزرائيلي للطب بجامعة بار إيلان في الجليل، ورئيسة مختبر علم الفيروسات الجزيئي، ورئيسة الجمعية الإسرائيلية لعلم الأحياء الدقيقة، إن مختبرها قد اكتشف آليةً قد تُفسّر جزءًا على الأقل من هذه الظاهرة: تغيير جيني مستمر في خلايا الكبد - "بصمة" تبقى حتى بعد العلاج. وتضيف: "وجدنا أن الفيروس يُغيّر التركيب الجيني في الخلايا، وقد تبقى هذه التغييرات كبصمة حتى بعد زوال الفيروس من الخلايا". وتشير غال-تانامي إلى أن هذه البصمة قد تُبقي على تنشيط المسارات التي تُعزّز العملية السرطانية حتى بعد انتهاء العدوى.

ما هو السؤال؟ ما هو علم التخلق؟

لا يوجد لقاح، يوجد علاج - لكن الخطر ليس معدوماً.

التهاب الكبد الوبائي سي هو فيروس من نوع الحمض النووي الريبي (RNA) يصيب الكبد، وقد يُسبب مع مرور الوقت التهابًا مزمنًا، وتليفًا، وتشمعًا، وسرطان الكبد. ووفقًا لها، يتعافى حوالي 20% من المصابين تلقائيًا، بينما تُصبح العدوى مزمنة لدى حوالي 80% منهم. لا يوجد حاليًا لقاح ضد الفيروس، ولكن في العقد الماضي، ظهرت أدوية مضادة للفيروسات متطورة تُشفي حوالي 99% من المرضى. ومع ذلك، تقول: "يتعافى الناس من الفيروس، ولكن بعد عام، أو عامين، أو ثلاثة، أو أربعة أعوام، يعودون للإصابة بسرطان الكبد". ووفقًا للبيانات التي تُقدمها، خلال فترة العدوى المزمنة النشطة، قد يصل خطر الإصابة بسرطان الكبد إلى حوالي 4% سنويًا؛ وبعد الشفاء، ينخفض ​​إلى حوالي 1% سنويًا، وهو انخفاض ملحوظ، ولكنه ليس معدومًا.

كيف يؤثر الفيروس الذي يبقى في السيتوبلازم على الحمض النووي في النواة؟

علم التخلق هو طبقة تحكم تُنظم تفعيل الجينات وتعطيلها، دون تغيير تسلسل الحمض النووي. يمكن اعتباره "نظام إشارات" يُوجه قراءة الجينات. توصل المختبر إلى أن فيروس التهاب الكبد الوبائي سي يُحدث تغييرات خلقية في الكبد تؤدي إلى تغييرات في التعبير الجيني، بما في ذلك الجينات والمسارات المرتبطة بالسرطان، وأن هذه التغييرات قد تستمر حتى بعد زوال الفيروس. وهذا يثير تساؤلاً بيولوجياً جوهرياً: فيروس التهاب الكبد الوبائي سي هو فيروس تحدث دورة حياته في السيتوبلازم ولا يدخل النواة. تشرح الباحثة قائلة: "كيف يُحدث تغييرات في النواة، في حمضنا النووي؟ ما الآليات التي يُفعّلها لتُسبب تغييرات خلقية لاحقة؟". وتضيف: "لا يدخل الفيروس النواة، ومع ذلك نلاحظ تغييراً فيها".

استخدام تقنيات متعددة الأوميات ونموذج فأر لمحاولة "عكس"

يهدف هذا البحث، المدعوم من المؤسسة الوطنية للعلوم (ISF)، إلى رسم خريطة للسلسلة التي تربط العدوى بعلامات السرطان والاستعداد الوراثي له. ولتحقيق هذه الغاية، يُخطط لاتباع نهج "متعدد الأوميات" يجمع بيانات عن علم التخلق، والتعبير الجيني، والبروتينات، ومسارات الإشارات الخلوية، وأحيانًا علم الأيض. والهدف هو دمج طبقات المعلومات لتحديد النقاط الرئيسية التي "ينشطها" الفيروس، ثم دراسة إمكانية استهدافها بالعلاج الدوائي. أما الهدف العملي فهو محاولة عكس مسار العدوى: إعادة خلايا الكبد، قدر الإمكان، إلى حالتها "قبل الإصابة"، وبالتالي تقليل خطر الإصابة بالسرطان حتى بعد العلاج.

علم التخلق هو طبقة تحكم تنظم أي الجينات يتم تفعيلها وأيها تبقى غير مفعلة، دون تغيير تسلسل الحمض النووي. يمكنك اعتباره "نظام إشارات" يوجه قراءة الجينات.

يتمثل تحدٍ آخر في فصل تأثير الفيروس نفسه عن تأثير الالتهاب والتليف في الكبد. ولأن التهاب الكبد الوبائي سي يصيب البشر والشمبانزي فقط بشكل طبيعي، ويصعب الحصول على عينات من الكبد في أي مرحلة، يستخدم المختبر نموذجًا حيوانيًا (فأر) مصابًا بفيروس مشابه يصيب الكبد، ويسبب التهابًا وتليفًا، وقد يؤدي إلى سرطان الكبد. يتيح لنا هذا مقارنة العدوى الحادة التي تشفى تلقائيًا بالعدوى المزمنة التي يمكن إحداثها تجريبيًا، ودراسة وقت تشكل الأثر، وما إذا كان يظهر حتى بعد فترة تعرض قصيرة، وما إذا كان لنوع الدواء تأثير على مدى بقاء هذا الأثر.

 لونغ كوفيد و فيروس الورم الحليمي البشري

تضيف غال-تانامي أن فكرة "الأثر" المتبقي بعد الشفاء قد تنطبق أيضاً على فيروسات أخرى، مثل كوفيد طويل الأمد، وحتى على حالات تطور السرطان دون إمكانية الكشف عن الفيروس نفسه، كما أشير في بعض حالات فيروس الورم الحليمي البشري. وترى أن الرسالة العلمية واضحة: لا ينبغي الاكتفاء بخبر زوال الفيروس، بل السعي إلى علاج يمحو آثاره أيضاً. لذا، حتى بعد الشفاء، تؤكد على أهمية المتابعة الطبية والتصوير الطبي للمرضى المعرضين للخطر على المدى الطويل.

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

תגובה אחת

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.