لا تؤثر موجات الحر الشديدة على الجميع بنفس القدر، وقد تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة في المدن.

يرتبط التعرض للحرارة الشديدة بمخاطر صحية حقيقية، منها ضربة الشمس، وتفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية، وإلحاق الضرر بالفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل كبار السن والأطفال والعاملين في الهواء الطلق. الحل يكمن في الأشجار والظل.

موجة حرّ في المدينة. صورة توضيحية: depositphotos.com
موجة حر في المدينة. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

أصبحت موجات الحرّ من أبرز المخاطر الصحية الناجمة عن أزمة المناخ في السنوات الأخيرة. لكن سكان المدن يدركون أن الحرارة "لا تتوزع بالتساوي": فهناك شوارع ظليلة وأشجار وارفة، وهناك مناطق من الإسفلت والخرسانة ترتفع حرارتها كالفرن. وتسعى دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" إلى قياس هذه التفاوتات بشكل منهجي، وتُظهر كيف يرتبط التعرّض للحرارة الشديدة بخصائص الأحياء والبنية التحتية والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي.

بحسب الدراسة، لا تقتصر الآثار على مجرد "انزعاج". فالتعرض للحرارة الشديدة يرتبط بمخاطر صحية حقيقية، كالإجهاد الحراري، وتفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية، وإلحاق الضرر بالفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل كبار السن والأطفال والعاملين في الهواء الطلق. وتكمن الجدة هنا في محاولة إظهار أن التفاوتات في المدينة - بين الأحياء، وأحيانًا داخل المدينة نفسها - قد تحوّل الحرارة إلى آلية تُعمّق عدم المساواة: فالذين يملكون موارد أقل غالبًا ما يعيشون في أماكن أكثر حرارة، مع قلة الظل وضعف القدرة على حماية أنفسهم (كالعزل الحراري، وتكييف الهواء، والأماكن العامة الباردة).

إن "الجزيرة الحرارية الحضرية" ليست مفهوماً نظرياً، بل هي عنوان

يكمن جوهر هذه الظاهرة في تأثير "الجزر الحرارية الحضرية". تمتص المدن المكتظة بالمباني كميات أكبر من الإشعاع خلال النهار وتُطلق الحرارة ليلاً، وقد تبقى أحياناً أكثر دفئاً من المناطق الريفية المحيطة بها. داخل المدينة نفسها، تكون الفروقات شاسعة: فقد تكون حديقة مليئة بالأشجار والماء أبرد بعدة درجات من تقاطع طرق واسعة ومبانٍ كثيفة.

تستخدم الدراسة مقاييس بيئية واجتماعية لربط درجات حرارة سطح الأرض/المحيطة بخصائص السكان. والنتيجة هي أن الحرارة الشديدة ليست مجرد نتاج للطقس، بل هي أيضاً نتيجة للتخطيط الحضري، وتوزيع الموارد، والعمليات التاريخية. بعبارة أخرى، يؤثر مكان سكنك على مستوى تعرضك للخطر.

وهنا يجدر التأكيد للقارئ: هذا لا يعني أن كل مدينة "مذنبة" عن قصد، بل يعني أن المدينة عبارة عن نظام تم بناؤه على مر السنين، وفي بعض الأحيان تلقت بعض الأحياء استثمارات خضراء أقل، وبنية تحتية للتبريد الطبيعي أقل، وصيانة أقل.

ماذا نفعل صباح الغد: الظل، والأشجار، والتخطيط الذي ينقذ الأرواح

الخبر السار هو أن بعض الحلول موجودة ومعروفة: زراعة الأشجار (مع التخطيط السليم)، وتوفير الظل في المحطات والأرصفة، واستخدام أسطح فاتحة اللون، ومواد عاكسة للإشعاع، وتصميم يسمح بالتهوية. لكن الدراسة تشير إلى أن المعيار يجب أن يكون أيضاً "العدالة الحرارية": أي الاستثمار تحديداً في الأماكن التي يكون سكانها أكثر عرضة للحرارة وأقل قدرة على حماية أنفسهم.

لكي ينجح هذا الأمر، تحتاج البلديات والحكومات إلى بيانات: خرائط حرارية عالية الدقة، إلى جانب خرائط للفئات السكانية الأقل حظاً. وهنا تكمن أهمية هذا الأمر بالنسبة لإسرائيل: فموجات الحر الصيفية، بالإضافة إلى الكثافة السكانية العالية في المدن، يمكن أن تحوّل هذه المشكلة إلى سياسة صحية عامة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وليس مجرد "تحسين جودة الحياة".

باختصار: إن عدم المساواة في التعرض للحرارة الشديدة ليس أثراً جانبياً هامشياً؛ بل قد يكون آلية تعمل على توسيع الفوارق - ما لم يتم التخطيط لخلاف ذلك.

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.