قبل الإقامة المطولة على سطح القمر، يحذر العلماء من مزيج خطير من الجاذبية المنخفضة والإشعاع الكوني والغبار القمري والعزلة واحتمال حدوث أضرار لأجهزة الجسم.
لا يهدف برنامج أرتميس التابع لناسا إلى مجرد إعادة البشر إلى القمر في زيارة رمزية، بل إلى وضع الأسس لوجود بشري مستدام على سطحه. بعد أن اختبرت مهمة أرتميس 1 صاروخ الإطلاق SLS ومركبة أوريون الفضائية بدون طاقم، أُطلقت مهمة أرتميس 2 المأهولة في 1 أبريل 2026، المصممة لاختبار مدى أمان أنظمة البقاء والملاحة والحماية الحرارية والعمليات في الفضاء السحيق للبشر. ووفقًا لرؤية ناسا طويلة الأمد، فإن المعرفة المتراكمة في هذه المهمات ستُمكّن من إنشاء قاعدة قمرية دائمة في المستقبل، وستساعد لاحقًا في التحضير لرحلات مأهولة إلى المريخ.
لكن من المتوقع أن تكون الحياة على سطح القمر بعيدة كل البعد عن الصورة البطولية المتمثلة في "الأعلام وآثار الأقدام". مقال نُشر بقلم البروفيسور داميان بيلي من جامعة جنوب ويلز في موقع "ذا كونفرسيشن". يوضح التقرير أن الإقامة المطولة على سطح القمر ستعرض الطاقم لما يُعرف بـ"المعرض الفضائي" - وهو مجموعة الضغوط البيئية التي تؤثر مجتمعة على جسم الإنسان خارج كوكب الأرض. وتشمل هذه الضغوط جاذبية تُعادل سدس جاذبية الأرض تقريبًا، والتعرض المزمن للإشعاع الكوني، والتقلبات الشديدة في درجات الحرارة، والغبار القمري السام، والعزلة الاجتماعية، واضطراب دورات النوم، والحبس لفترات طويلة.
يُعدّ الإشعاع أحد المخاطر الرئيسية. فعلى عكس رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية، الذين لا يزالون يتمتعون بحماية كبيرة بفضل المجال المغناطيسي للأرض، سيتعرض رواد الفضاء على سطح القمر لكميات أكبر بكثير من الإشعاع الفضائي. ويمكن أن يُلحق هذا التعرض ضرراً بالحمض النووي، ويُعطّل عمل الجهاز المناعي، ويؤثر أيضاً على الدماغ والجهاز القلبي الوعائي. إضافةً إلى ذلك، يُغيّر انخفاض الجاذبية طريقة تدفق الدم والأكسجين والسوائل في الجسم، مما قد يُؤدي إلى اضطراب إمداد الدماغ بالأكسجين والجلوكوز مع مرور الوقت.
يؤكد الباحثون أنه ليس من الصواب فحص كل عضو على حدة. بل يجب فهم جسم الإنسان كنظام متكامل، حيث تؤثر التغيرات في القلب والأوعية الدموية والعضلات والعظام والجهاز المناعي والتمثيل الغذائي على بعضها البعض. وهذا ما يجعل المخاطر معقدة للغاية: فلن يشعر رواد الفضاء دائمًا بوجود خلل ما على الفور. قد تتطور بعض التغيرات الفسيولوجية ببطء، ولا تظهر كمشكلة حقيقية إلا بعد أشهر أو سنوات. لهذا السبب، تولي وكالة ناسا أهمية بالغة للمراقبة الفسيولوجية طويلة الأمد واستراتيجيات الحد من المخاطر في وقت مبكر.
للتكيف مع البيئة القاسية، ستكون هناك حاجة إلى مجموعة متكاملة من التدابير المضادة. سيظل النشاط البدني حجر الزاوية، كما هو الحال بالفعل في محطة الفضاء الدولية، ولكن على سطح القمر، سيكون من الضروري تصميم أنظمة تدريب جديدة تتكيف مع الجاذبية الجزئية. كما سيحتل التغذية مكانة مركزية، ليس فقط للحفاظ على العضلات والعظام، بل أيضاً لتقوية جهاز المناعة ومواجهة آثار الإشعاع. ويشير المقال إلى أنه في المستقبل، قد يكون من الضروري إعداد قوائم طعام شخصية لكل رائد فضاء، بدلاً من نظام غذائي موحد للجميع.
تشمل الحلول الأخرى قيد الدراسة حاليًا توليد جاذبية اصطناعية باستخدام أجهزة طرد مركزي قصيرة المدى، مما قد يُجهد الجسم مؤقتًا ويساعد على استقرار الجهازين القلبي الوعائي والدماغي. في الوقت نفسه، ستعتمد الحماية من الإشعاع على عدة طبقات: حماية المباني السكنية، وربما استخدام تربة القمر نفسها، وأنظمة إنذار مبكر للعواصف الشمسية، وتخطيط المهمة لتقليل التعرض للإشعاع في الأوقات الخطرة. كما قد تُمكّن أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء وتحليل البيانات المتقدم من الكشف المبكر عن علامات التحذير، قبل أن يتحول أي خلل فسيولوجي بسيط إلى أزمة في المهمة.
إلى جانب كل هذه الصعوبات، يشير الكاتب أيضًا إلى الإمكانات الهائلة للإلهام: مراقبة الأرض من أفق قمري ساكن، والعمل تحت سماء حالكة السواد، وتحويل القمر إلى أول مختبر تجريبي بشري للحياة خارج كوكب الأرض. لكن استنتاجه يدعو للتأمل: فالقمر ليس مجرد وجهة، بل هو مختبر بيولوجي. إذا تعلمت البشرية كيفية الحفاظ على صحة الإنسان وقدرته على التحمل وكفاءته على سطح القمر، فستكون قد خطت خطوة حاسمة نحو أن تصبح حضارة فضائية حقيقية.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: