ثابت الجاذبية يتلاشى مجدداً: قياس جديد يزيد من غموض الفيزياء

أسفرت تجربة استمرت عقدًا من الزمن في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا عن قيمة جديدة لـ G لا تتطابق تمامًا مع قياس فرنسي سابق، مما يسلط الضوء على مدى صعوبة قياس الجاذبية بدقة.

بعد عقد من القياسات الدقيقة، لم تتطابق نتيجة جديدة لثابت الجاذبية الكونية مع أي قياس سابق، مما زاد من تعقيد أحد أقدم ألغاز الفيزياء. صورة توضيحية: depositphotos.com
بعد عقد من القياسات الدقيقة، لم تتطابق نتيجة جديدة لثابت الجاذبية الكونية مع قياس سابق - مما زاد من تعميق أحد أقدم الألغاز في الفيزياء. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

يُعدّ أحد أهم الأرقام الأساسية في الفيزياء من أصعبها قياسًا أيضًا. إنه ثابت الجاذبية الكونية، ويرمز له بالحرف Gوهو الذي يحدد قوة الجاذبية بين الأجسام في الكون. على الرغم من أهميته البالغة، لا يزال العلماء غير متفقين على قيمته بدقة عالية، وحتى اليوم يُعدّ أقل الثوابت دقةً المرتبطة بالقوى الأساسية الأربع في الطبيعة.

لا ينبغي الخلط بينه وبين جي الكبير و حرف g الصغيربينما يُعدّ G ثابتًا كونيًا يفترض أن يكون متساويًا في كل مكان في الكون، فإنّ قيمة g الصغيرة تصف التسارع المحلي للجاذبية. على الأرض، تبلغ قيمته تقريبًا 9.8 متر في الثانية المربعةبينما على سطح القمر، الأمر يقتصر فقط 1.62 متر في الثانية المربعةلأن كتلة القمر أصغر، وبالتالي فإن جاذبيته أضعف. أما G، فهو الرقم الذي يسمح لنا بحساب قوة الجاذبية بين أي جسمين، بدءًا من شخص وكوكب وصولًا إلى وزنين في المختبر.

دراسة جديدة أجراها المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) ونُشرت في مجلة علم القياسلم يحل هذا اللغز. بل على العكس، فبعد عقد من القياسات والتحليلات، حصل فريق الباحثين على قيمة لا تتطابق تمامًا مع إحدى القياسات الدقيقة السابقة، التي أُجريت عام 2007 في المكتب الدولي للأوزان والمقاييس في فرنسا. القيمة الجديدة التي حصل عليها الباحثون هي 6.67387×10⁻¹¹ متر مكعب لكل كيلوغرام في الثانية المربعةوهو منخفض في0.0235% من القيمة المقاسة في التجربة الفرنسية.

ظاهريًا، يبدو هذا فرقًا ضئيلًا جدًا، لا يؤثر على الحياة اليومية، أو وزن الطعام، أو قياس وزن الجسم. لكن في العلم، قد تشير هذه الفروقات الصغيرة إلى مشكلة أعمق: إما وجود أخطاء منهجية في التجارب لم تُكتشف، أو أن جميع مصادر عدم اليقين في قياس الجاذبية نفسه لم تُفهم فهمًا كاملًا بعد. ويشير الباحثون إلى أن الفروقات بين القياسات تبلغ جزءًا واحدًا من عشرة آلاف تقريبًا، وهو فرق ضئيل، لكنه كبير جدًا بحيث لا يمكن عزوه ببساطة إلى التشويش التجريبي المعتاد.

تكمن الصعوبة في ضعف الجاذبية مقارنةً بالقوى الأخرى في الطبيعة. يشرح المقال، على سبيل المثال، أن مغناطيسًا بحجم رأس الدبوس يمكنه رفع مشبك ورق بقوة أكبر من قوة جاذبية الأرض عليه. لذا، عند محاولة قياس قوة التجاذب بين أجسام صغيرة نسبيًا في المختبر، تكون الإشارة المقاسة ضعيفة للغاية. يضطر الباحثون للعمل مع كتل متناهية الصغر، أصغر من الأرض بنحو 500 مليار تريليون مرة، ما يجعل أي اضطراب بسيط قادرًا على التأثير على النتيجة.

موازين الالتواء

للتأكد من إمكانية تكرار القياس الفرنسي، أعاد الفيزيائي ستيفان شليمينجر وزملاؤه في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) بناء تجربة دقيقة استنادًا إلى موازين الالتواء — طريقة كلاسيكية تعود إلى تجربة هنري كافنديش عام 1798. تدرس هذه الطريقة كيفية دوران أو التواء ليف رقيق للغاية استجابةً لقوة جاذبية ضئيلة بين كتلتين. في التجربة الحديثة، وُضعت ثماني أسطوانات معدنية: أربع كتل كبيرة على هيكل دوار، وأربع كتل أصغر على قرص داخلي، متصلة بشريط رقيق للغاية من النحاس والبريليوم، بسماكة شعرة الإنسان تقريبًا.

لم يكتفِ الفريق بطريقة واحدة. فبالإضافة إلى قياس الالتواء الناتج عن الجاذبية، طبّق الباحثون قوةً معاكسةً للكهرباء الساكنة باستخدام أقطاب كهربائية وجهد كهربائي. وعندما عدّلوا الجهد بحيث توقف النظام عن الدوران، تمكنوا من حساب قيمة G من الميزان الكهربائي. كما كرّروا القياسات باستخدام كتل مصنوعة من النحاس وأخرى من الياقوت، لمعرفة ما إذا كان تركيب المادة يؤثر على النتيجة. ووفقًا للتقرير، أعطت مجموعتا القياسات نتائج متطابقة تقريبًا.

من النقاط المثيرة للاهتمام في الدراسة الطريقة التي حاول بها الباحثون تجنب التحيز النفسي. طلب ​​شليمنجر من زميله باتريك أبوت تغيير البيانات باستخدام رقم سري يُطرح من بعض القياسات، بحيث لا يعرف هو نفسه النتيجة الحقيقية إلا في اللحظة الأخيرة. وبعد سنوات من العمل، عندما فتح الظرف الذي يحتوي على الرقم السري، تمكن من حساب القيمة النهائية. شعر بالارتياح في البداية، لكن تبين لاحقًا أن الرقم كان أكبر من المتوقع، وبالتالي لم تتطابق النتيجة النهائية مع نتائج التجربة الفرنسية.

225 عامًا وما زالت تثير الدهشة

لا تحسم الدراسة الجديدة الجدل، لكنها تُضيف معلومةً مهمةً إلى قاعدة بيانات القياسات، وتُسلّط الضوء على حقيقة أن ثابت الجاذبية، حتى بعد أكثر من 225 عامًا من التجارب، لا يزال عصيًا على التحديد. يُلخّص شليمنجر الأمر ببساطة: كل قياس مهم، لأن الحقيقة مهمة. ووفقًا له، فإن القياس الدقيق وسيلةٌ لإضفاء النظام على الكون، حتى لو لم تكن النتيجة كما هو مُأمول. بعد عقدٍ من العمل، أعلن أنه سيُسلّم الراية إلى جيلٍ جديدٍ من الفيزيائيين، الذين سيواصلون معالجة هذه المسألة.

للمادة العلمية DOI: 10.1088/1681-7575/ae570f

المزيد عن هذا الموضوع على موقع العلوم

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.