قام باحثون في كلية الكيمياء بجامعة تل أبيب بتطوير طريقة تجريبية ونظرية جديدة لمراقبة الانتقال من سائل متدفق إلى مادة صلبة غير متبلورة، باستخدام جزيئات صغيرة تكشف كيف تفقد المادة قدرتها على نقل الزخم وتقترب من حالة زجاجية.
يقدم اكتشاف علمي أجرته كلية الكيمياء بجامعة تل أبيب منظورًا جديدًا للغز العلمي: كيف يتحول سائل متدفق فجأة إلى مادة صلبة، شبه متجمدة، دون تغيير بنيته؟ هذا السؤال، المعروف باسم "الانتقال الزجاجي"، شغل بال الفيزيائيين لأكثر من قرن. يقدم البحث طريقة تجريبية ونظرية جديدة لمراقبة هذه العملية المراوغة، وذلك من خلال تتبع حركة جزيئات دقيقة تعمل كـ"مستشعرات" داخل المادة.
أُجريت الدراسة بواسطة البروفيسور حاييم ديمينت والبروفيسورة يائيل رويتشمان من كلية الكيمياء بجامعة تل أبيب، بالتعاون مع المجموعة البحثية للبروفيسور ستيفان إيجلهوف من جامعة دوسلدورف، ونُشرت في مجلة Nature Physics.
يتناول البحث المواد الغروية - وهي معلقات من جسيمات مجهرية في سائل - والتي تُعتبر نموذجًا مثاليًا لدراسة التحول الزجاجي. عندما يكون تركيز الجسيمات منخفضًا، يتصرف النظام كسائل عادي. ولكن مع ازدياد الكثافة، تُقيّد الجسيمات حركة بعضها البعض، حتى "يتجمد" النظام بأكمله ويكتسب خصائص مادة صلبة غير متبلورة، شبيهة بالزجاج.
يتمثل الابتكار الرئيسي للباحثين في استخدام جزيئات صغيرة للغاية متحركة، مدمجة في نظام من جزيئات أكبر تخضع لتحول زجاجي. وبينما تفقد الجزيئات الأكبر قدرتها على الحركة تدريجيًا، تستمر الجزيئات الأصغر في الحركة، مما يتيح قياس كيفية تغير الوسط المحيط بها.
باستخدام تقنيات المجهر المتقدمة، تم قياس الحركة المنسقة لأزواج من الجسيمات الصغيرة: كيف تؤثر حركة أحدها على الآخر، في اتجاهات مختلفة وعلى مسافات متفاوتة. تُظهر النتائج صورة واضحة: عندما يكون النظام سائلاً، تنتشر الحركة لمسافات طويلة عبر السائل. ولكن مع الاقتراب من الحالة الزجاجية، يتباطأ هذا الانتشار، ويبدأ النظام بالتصرف كجسم صلب، حيث يمتص الزخم بدلاً من نقله.
حدد الباحثون ثلاث علامات مميزة للانتقال: تغير حاد في طريقة اضمحلال الارتباط مع المسافة، وظهور طول مميز جديد يزداد مع لزوجة المادة، وحتى حركات متعاكسة بين الجسيمات المتجاورة - دليل على تشكل مقاومة القص، وهي خاصية أساسية للمواد الصلبة. وقد أكدت النتائج التجريبية بدقة عالية التنبؤات النظرية التي وضعها الفريق نفسه قبل عدة سنوات.
يشير فريق الباحثين إلى أن هذه النتائج، بالإضافة إلى أهميتها في تعميق فهمنا لظاهرة التحول الزجاجي، تحمل دلالات واسعة النطاق. إذ يمكن استخدام هذه الطريقة الجديدة لدراسة المواد الهلامية، والمواد اللينة، والأنظمة النشطة، وحتى الأنسجة البيولوجية، وهي مجالات يصعب فيها رصد لحظة توقف النظام عن "التدفق" وبدء تصلبه. وبهذا المعنى، تُعدّ الجسيمات الدقيقة بمثابة شهود مجهرية على اللحظة التي يفقد فيها السائل خصائصه.
يختتم البروفيسور حاييم ديمينت قائلاً: "لا تكمن أهمية هذه الدراسة في تحديد مؤشرات جديدة للانتقال الزجاجي فحسب، بل في تقديم منظور جديد لهذه الظاهرة برمتها. فبحسب رأيه، تُظهر النتائج أن الانتقال الزجاجي لا يقتصر على تباطؤ تدريجي في حركة الجسيمات، بل يترافق مع تغيير جذري في طريقة انتقال الزخم من نقطة إلى أخرى في المادة. إن استخدام جسيمات صغيرة مميزة كمجسات هيدروديناميكية يتيح إمكانية دراسة ظهور خصائص المواد الصلبة حتى قبل توقف النظام عن التدفق فعلياً، وقد يوفر أداة جديدة لدراسة المواد اللينة والأنظمة المعقدة التي يصعب فيها قياس الانتقال من الحالة السائلة إلى الصلبة."
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
תגובה אחת
من الجدير بالذكر أن الانتقال الزجاجي الكلاسيكي يحدث في المواد المتجانسة أحادية الطور، وليس في المعلقات الغروية.