المفتاح الجيني الذي يعيد الخلايا المناعية إلى المعركة

وفي مختبر البروفيسور إيدو أميت في معهد وايزمان للعلوم، تمكن الباحثون من تحديد الجين الذي يعمل إسكاته على إعادة برمجة خلايا الجهاز المناعي، ويمكن أن يحولها من داعمة للسرطان إلى قاتلة له.

الحمض النووي. الرسم التوضيحي: depositphotos.com
الحمض النووي. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

لكي يتطور السرطان، فإنه يحتاج إلى تسخير الجهاز المناعي لتلبية احتياجاته. وفي كثير من الحالات، يتم ذلك عن طريق تجنيد الخلايا المناعية التي تسمى الخلايا البلعمية وتسخيرها لعدد من الأغراض، بما في ذلك حماية السرطان من بقية الجهاز المناعي ومساعدته على الانتشار إلى أنسجة أخرى. في دراسة جديدة المنشورة في المجلة العلمية سرطان الخلايا، باحثون من مختبر البروفيسور ايدو أميت استخدم معهد وايزمان للعلوم تقنيات متقدمة لتحرير الجينات، وتسلسل المواد الجينية على مستوى الخلية الواحدة، وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد المفتاح الرئيسي الذي يحول الخلايا البلعمية إلى داعمة للسرطان. وبناء على هذا الاكتشاف، تمكنوا من تطوير علاج قد يوفر أملا جديدا لمرضى سرطان المثانة.

"الخلايا البلعمية هي خلايا متعددة الوظائف - وهي بمثابة "سكين الجيش السويسري" للجهاز المناعي - وهي قادرة على تنشيط مجموعة متنوعة من البرامج لأغراض مختلفة وفي مواقف مختلفة"، كما يوضح البروفيسور أميت. تتمتع الخلايا البلعمية بالقدرة على قتل الأورام بشكل فعال للغاية، مع مجموعة متنوعة من خطط العمل مثل توليد الالتهاب المضاد للسرطان أو تجنيد بقية الجهاز المناعي لمحاربة الورم. لذلك، من أجل النمو والازدهار، تقوم معظم الأورام بتطوير آليات فريدة تسمح لها بنقل الخلايا البلعمية إلى جانبها. ويضيف: "من خلال القيام بذلك، تحمي الأورام نفسها من الجانب "الخطير" للخلايا البلعمية، كما أنها تؤدي إلى تنشيط البرامج التي تساعدها على النمو، مثل قدرة الخلايا البلعمية على تشجيع توسع الأوعية الدموية التي تغذي الورم بالأكسجين، أو قمع نشاط خلايا أخرى في الجهاز المناعي".

ربطت دراسات حديثة بين طريقة تنشيط الخلايا البلعمية - سواء كانت تحارب الورم أو تساعده - وفرص بقاء مرضى السرطان على قيد الحياة. ونظرا لأهميتها، سعت العديد من المختبرات إلى إيجاد طرق لإعادة برمجة الخلايا البلعمية لتنشيط برامجها المضادة للسرطان. ويضيف البروفيسور أميت: "لقد فشلت هذه الجهود لأنها قسمتها إلى فئتين ثنائيتين - معززات النمو أو مثبطات النمو". "واليوم نعلم أن هذا التقسيم يغفل جزءاً كبيراً من تعقيد الصورة".

واتخذت الدراسة الجديدة، التي قادها الدكتور بادي سيبان، والدكتور ترونج سان بان، والدكتور كاي كون شوي، والدكتور فلوريان إنجيلفينجر، نهجًا أكثر تعقيدًا. بدأنا الدراسة بتحليل قواعد بيانات مأخوذة من عينات سرطان من مرضى، وفحصنا الوظائف المختلفة للخلايا البلعمية. أردنا تحديد الجينات التي قد تؤثر على الوظائف الداعمة للورم. لذلك، صغنا قائمة تضم 120 جينًا نشتبه في أنها تلعب دورًا في تنشيط برامج دعم الورم، كما يقول الدكتور شيبان.

وكانت الخطوة التالية هي بناء نظام يسمح بفحص تأثير كل من الجينات الـ 120 المشتبه بها على وظيفة الخلايا البلعمية الداعمة للورم لتحديد أي منها يلعب دورًا رئيسيًا في استيلاء الورم على خلايا الجهاز المناعي. ولتحقيق هذه الغاية، استخدم البروفيسور أميت وفريق البحث تقنيات البحث في دقة الخلية الواحدة وتقنية تحرير الجينات CRISPR-Cas9. ومن خلال الجمع بين النهجين، ابتكر الباحثون أداة سمحت لهم بإيقاف تشغيل جين واحد من قائمة الجينات المشتبه بها في وقت واحد ورؤية كيف يؤثر التغيير على خصائص ووظيفة الخلايا البلعمية على مستوى الخلية الفردية.

يقول الدكتور شيبان: "بفضل هذه المنصة المبتكرة، تمكنا من فحص تأثير كل من المفاتيح المحتملة الـ 120 الموجودة في القائمة على جميع الجينات في حوالي 100 ألف خلية بلعمية مختلفة". وقد أدى هذا إلى إنشاء قاعدة بيانات ضخمة من البيانات حول كيفية تشغيل وإيقاف مفاتيح جينية مختلفة لمجموعة متنوعة من برامج عمل الخلايا البلعمية عندما تكون في البيئة السرطانية. كانت فوضى عارمة. يتذكر الدكتور شيبان: "مع كل هذه المعلومات، واجهنا في البداية صعوبة في فهم أي جين يلعب دورًا مهمًا والوظائف التي يتحكم بها".

لتنظيم البيانات، استخدم البروفيسور أميت وفريق البحث أداة الذكاء الاصطناعي التي طورها البروفيسور. نير يوسف، أيضًا من قسم المناعة الجهازية في معهد وايزمان. تُسمى الأداة MrVI، وهي تسمح لك بتبسيط هذا النوع من مجموعات البيانات وتحويلها إلى خريطة وظيفية تُظهر كيف تؤثر المفاتيح الجينية المختلفة، والتي يتم تمثيل كل منها كنقطة على الخريطة، على وظائف مختلفة للخلايا البلعمية، وكيف يتشابه تأثير كل جين مع تأثير الجينات الأخرى.

بمساعدة MrVI، تمكنا من فهم الجين الذي يجب تعطيله للتأثير على جميع وظائف الخلايا البلعمية الداعمة للسرطان وتحويلها إلى خلايا قاتلة للأورام. وكما كان متوقعًا، وجدنا مفاتيح كنا قد درسناها سابقًا وكان لها تأثير كبير على نشاط الخلايا البلعمية في السرطان، مثل TREM2، ولكن برز جين واحد على الخريطة نظرًا لقدرته على تغيير نشاط الخلايا البلعمية بشكل جذري. لم يُدرس هذا الجين، المسمى Zeb2، حتى الآن في سياق الجهاز المناعي في السرطان، كما يقول الدكتور شيبان. أدركنا أنه، على عكس الجينات الأخرى على الخريطة، فإن البلاعم التي تحتوي على Zeb2 نشط هي بلعم ينشط جميع برامجه الداعمة للورم ويُعطّل جميع البرامج المصممة لمحاربة السرطان. وبالتالي، فإن إسكات هذا الجين قد يُؤدي إلى تأثير معاكس. وفي الواقع، أظهر الباحثون في سلسلة من التجارب - سواء في مزارع الخلايا أو في الحيوانات النموذجية - أن إسكات Zeb2 يحول الخلايا البلعمية من داعمة للسرطان إلى قاتلة له. وبالإضافة إلى ذلك، أظهر الباحثون من خلال تحليل قواعد البيانات أن المرضى الذين لديهم مستويات عالية من التعبير عن Zeb2 معرضون لخطر أعلى بكثير للإصابة بالسرطان العدواني.

وكانت الخطوة التالية هي محاولة تحويل هذا الاكتشاف إلى علاج محتمل للسرطان. ولتحقيق هذه الغاية، تعاون البروفيسور أميت وفريق البحث مع البروفيسور مارسين كورتيليوسكي من المركز الطبي لمدينة الأمل في كاليفورنيا. قام البروفيسور كورتيليفسكي بتطوير جزيء DNA فريد من نوعه مصمم للارتباط بشكل خاص بالخلايا البلعمية ومن ثم يتم تناوله من قبلها. "لقد استخدمنا هذا الجزيء كطعم وأضفنا إليه جزيئًا صغيرًا من الحمض النووي الريبوزي (RNA) مصممًا خصيصًا لإسكات الجين المستهدف - Zeb2"، كما يقول الدكتور شيبان. قام الباحثون بحقن الجزيء في منطقة الورم لدى الفئران المصابة بسرطان المثانة، وأظهروا أن العلاج أعاد برمجة الخلايا البلعمية، مما جعلها تحارب الورم، وأدى إلى انكماش كبير للأورام.

ويختتم البروفيسور أميت قائلاً: "الهدف الآن هو تطوير علاج جديد للسرطان لدى البشر بناءً على هذا النهج". "وتعتبر الدراسة أيضًا مثالًا على كيفية توفير تقنيات البحث المتقدمة لدينا فهمًا عميقًا وعالي الدقة لكيفية عمل مختلف اللاعبين في الجهاز المناعي في أمراض مختلفة، وكيف يوفر هذا الفهم إمكانية تطوير علاجات جديدة للمرضى."

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: