هل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة؟ دراسة تحذر من أنه قد يغير نظرتنا للواقع

تزعم دراسة أجرتها جامعة إكستر أن برامج الدردشة الآلية لا تقتصر على تقديم المعلومات فحسب، بل قد تعزز أيضاً المعتقدات الخاطئة والذكريات المشوهة والروايات الشخصية غير الدقيقة.

الذكاء الاصطناعي المستقبلي. صورة توضيحية: depositphotos.com
الذكاء الاصطناعي المستقبلي. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

كثيراً ما يُصوَّر الذكاء الاصطناعي الإبداعي كأداة. فهو يكتب، ويلخص، ويترجم، ويقترح أفكاراً، ويساعد الناس على حل المشكلات والحصول على إجابات أسرع. لكن الأبحاث الحديثة تُظهر أن هذا الوصف ليس دقيقاً تماماً. فعندما تصبح أنظمة المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي جزءاً من التفكير اليومي، فإنها لا تقتصر على تقديم الإجابات فحسب، بل يمكنها أيضاً التأثير على طريقة تفسير الناس للواقع، وتذكر الأحداث، وسرد قصص حياتهم.

تتناول الدراسة، التي أجرتها الدكتورة لوسي أوسلر من جامعة إكستر، العلاقة بين الذكاء الاصطناعي الإبداعي وتكوين أو تعزيز المعتقدات الخاطئة. عادةً، عندما يُقدّم نظام الذكاء الاصطناعي معلومات غير صحيحة، يُوصف بأنه "مُتوهم". إلا أن أوسلر تُقدّم منظورًا أكثر تعقيدًا: فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على "تضليلنا"، بل قد يبدأ البشر أيضًا في "التضليل معه".

يرتكز الادعاء الرئيسي للدراسة على فكرة تُعرف باسم الإدراك الموزع. ووفقًا لهذا النهج، لا يقتصر التفكير البشري على الدماغ فحسب، بل يُستعان فيه بالدفاتر والهواتف ومحركات البحث والمذكرات والخرائط والمحادثات مع الآخرين، والآن أيضًا ببرامج الدردشة الآلية. فعندما تندمج أداة خارجية بعمق في عملية التفكير، فإنها قد تؤثر على طريقة تذكر الشخص واستخلاصه للنتائج وفهمه لذاته.

تكمن الجدة في مجال الذكاء الاصطناعي الإبداعي في كونه أداة ذات دور مزدوج. فهو من جهة، أداة معرفية تساعد على التذكر، وصياغة الأفكار، وتنظيمها، وبناء الحجج. ومن جهة أخرى، يعمل أيضاً كشريك في الحوار، إذ يستجيب، ويؤكد، ويتوسع، ويتفاعل مع المشاعر، ويخلق أحياناً شعوراً بالتفاهم والشراكة. وقد يُشكل هذا المزيج إشكالية خاصة عندما يُدخل المستخدم في الحوار معتقداً خاطئاً، أو سوء فهم، أو قصة شخصية لا أساس لها من الصحة.

تعزيز الأخطاء السابقة

بحسب الدكتور أوسلر، عندما يعتمد الناس بانتظام على الذكاء الاصطناعي للتفكير والتذكر وسرد قصصهم، فقد يدخلون في عملية لا تضيف فيها التكنولوجيا أخطاءً فحسب، بل تعزز أيضًا الأخطاء الموجودة لديهم بالفعل. يميل نظام المحادثة إلى بناء ردوده بناءً على كيفية عرض المستخدم للواقع. فإذا كانت نقطة انطلاق المستخدم خاطئة، فقد يتابع النظام منها، ويتوسع فيها، ويمنحها شعورًا بالاتساق.

هنا يبرز عنصر اجتماعي هام. فبخلاف دفتر الملاحظات أو محرك البحث، لا يقتصر دور روبوت المحادثة على تخزين المعلومات واسترجاعها، بل يمكنه أن يبدو وكأنه يستمع ويفهم ويوافق. ويؤكد أوسلر أن الطبيعة الحوارية، شبه الاجتماعية، لهذه الأنظمة قد تضفي على المعتقدات الخاطئة شعوراً بالتصديق الاجتماعي. فعندما تبدو فكرة ما وكأنها "مُشاركة" مع طرف آخر، فإنها تبدو أكثر واقعية.

تتعزز الهلوسات التي تحدثها أنظمة الذكاء الاصطناعي بالهلوسات البشرية.

تتناول الدراسة أيضًا حالاتٍ اندمجت فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات التفكير لدى أشخاصٍ شُخِّصوا باضطراباتٍ عقليةٍ أو هلوسات. في الأدبيات والخطاب العام، بدأت تُوصف هذه الحالات أحيانًا بأنها "ذهانٌ مُستحثٌّ بالذكاء الاصطناعي". لا يُقدِّم أوسلر الذكاء الاصطناعي كعاملٍ واحدٍ أو بسيط، بل يُشير إلى سماتٍ قد تجعله نظامًا مُعزِّزًا: التوافر الدائم، والاستجابة العاطفية، والتخصيص، وأحيانًا الميل إلى مُوافقة المستخدم بدلًا من مُعارضته.

لا يقتصر الخطر على الحالات السريرية الواضحة. فقد تتعزز المعتقدات التآمرية، ومشاعر الاضطهاد، وقصص الضحية، أو روايات الانتقام إذا استمر نظام المحادثة في تأكيدها، وبناء تفسيرات مفصلة حولها، وتقديمها في إطار منطقي ظاهريًا. وقد يجادل شخص آخر في مرحلة ما، أو يشكك، أو يقدم تفسيرًا بديلًا. من ناحية أخرى، قد يستمر نظام الذكاء الاصطناعي في التفاعل بسلاسة مع المستخدم، خاصةً إذا صُمم ليكون لطيفًا وداعمًا وشخصيًا.

قد يكون هذا التأثير قويًا بشكل خاص لدى الأشخاص الذين يعانون من الوحدة أو العزلة الاجتماعية، أو الذين يشعرون بالعجز عن التحدث عن تجارب معينة مع الآخرين. يتوفر برنامج الدردشة الآلي على مدار الساعة، وهو غير متحيز، ويستجيب بسرعة، ويُوفر أحيانًا شعورًا بالتقارب. لكنّ الميزات نفسها التي تجعله مفيدًا وسهل الاستخدام قد تجعله أيضًا نظامًا يُعزز تصورات خاطئة عن الواقع.

يقترح أوسلر إمكانية التخفيف من بعض المخاطر من خلال ضمانات أكثر تطوراً، وآليات مدمجة للتحقق من الحقائق، وتقليل ميل الأنظمة إلى الموافقة على آراء المستخدمين. ولا تقتصر فائدة هذه الأنظمة على تجنب إضافة الأخطاء فحسب، بل يمكنها أيضاً تحديد الحالات التي يكون من المناسب فيها طرح تساؤل أو تقديم تفسير بديل.

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القصة التي نرويها لها

لكنها تقول إن هناك مشكلة أعمق. تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القصة التي نرويها لها عن حياتنا. فهي لا تملك جسداً، ولا خبرة حياتية، ولا اندماجاً اجتماعياً في العالم البشري. لذا، تجد صعوبة في معرفة متى تتعاون مع وجهة نظر المستخدم، ومتى تتوقف، أو تعترض، أو توجهها بلطف نحو اتجاه آخر.

لا يُستنتج من ذلك أن الذكاء الاصطناعي الإبداعي خطير بالضرورة أو أنه لا ينبغي استخدامه. بل تقترح الدراسة نهجًا أكثر حذرًا: فهم أنه ليس مجرد أداة معلوماتية، بل عامل يمكن دمجه في عمليات التفكير والهوية. ومع ازدياد استخدام هذه الأنظمة في حياتنا اليومية، تزداد أهمية تطوير آليات تميز بين المساعدة الفكرية والتعزيز غير النقدي للمفاهيم الخاطئة.

للمادة العلمية DOI: 10.1007/s13347-026-01034-3

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.