يكشف بحث أجراه معهد التخنيون كيف تستخلص الفطريات الممرضة مثل المبيضات البيضاء والمبيضات الأذنية الهيم من خلايا الدم، ويقترح استراتيجيات علاجية جديدة لتعطيل هذه العملية.
كيف تستطيع الكائنات المسببة للأمراض البقاء على قيد الحياة داخل جسم الإنسان؟ الإجابة على هذا السؤال ليست واضحة، إذ تُشكّل البيئة الداخلية للجسم حاجزًا طبيعيًا أمام غزوها. ومن أهمّ عناصر هذا الحاجز نقص العناصر الغذائية الأساسية، كالحديد.
يُعدّ الحديد عنصرًا أساسيًا للنشاط البيوكيميائي، ويوجد في الجسم بشكل رئيسي في جزيء الهيم، وهو نواة الهيموجلوبين ووظيفته نقل الأكسجين في الدم. وتسعى الكائنات المسببة للأمراض، والتي تُسمى أيضًا مسببات الأمراض، إلى استغلال هذا المورد لصالحها.
يُجري البروفيسور دانيال كورنيتزر من كلية روث وباروخ رابابورت للطب في معهد التخنيون أبحاثًا في السنوات الأخيرة حول الآليات الجزيئية التي من خلالها تتكاثر الفطريات الممرضة مثل المبيضات البيض والمبيضات أوريس تستطيع هذه الفطريات امتصاص الهيم من الخلايا المضيفة واستخدامه. فهي تستخدم الهيم كمصدر للحديد، بل وتستخدم الجزيء بكامله. إنها عملية بالغة التعقيد، تتيح لنا فرصة فهم كيفية تمكن الكائنات الغازية من التغلب على دفاعات الجسم.
السؤال هو: كيف يمكننا منع الفطريات الممرضة من الاستيلاء على مصادر الحديد في أجسامنا لمصلحتها الخاصة؟
آلية النقل عبر الغشاء
بفضل منحة من المؤسسة الوطنية للعلوم (ISF)، يسعى كورنيتزر وفريقه إلى فك شفرة سلسلة نقل الهيم من البيئة الخارجية إلى الخلايا الفطرية. تتضمن عملية النقل بروتينات CFEM، وهي بروتينات غشائية وخارج خلوية قادرة على الارتباط بالهيم. تُفرز بعض هذه البروتينات في البيئة، بينما تندمج بروتينات أخرى في جدار الخلية أو غشائها، وتشكل معًا سلسلة من الجزيئات التي تنقل الهيم فيما بينها في نوع من "سباق التتابع" الجزيئي. في النهاية، يقوم بروتينان (Frp1 وFrp2)، ينتميان إلى عائلة المختزلات، بإدخال جزيء الهيم المحتوي على الحديد إلى الخلية الفطرية.
يوضح كورنيتزر قائلاً: "لقد تمكنا من تطوير أساليب تصوير فلورية تسمح لنا بتتبع موقع هذه البروتينات في الوقت الفعلي، ومعرفة متى وكيف تستجيب لوجود الهيم في البيئة. وهذا سيمكننا من فهم كيفية تنظيم النظام بأكمله لنفسه استجابةً للمؤثرات الخارجية مثل نقص الحديد أو ظهور الهيم."
الصراع فيالمبيضات أوريس – مسبب مرض ناشئ ومثير للقلق
إلى جانب العمل على المبيضات البيضيقوم فريق المختبر أيضاً بدراسة نوع أكثر مقاومة، وقد ازداد انتشاره في السنوات الأخيرة: المبيضات أوريسهذا نوع ظهر منذ حوالي عقد من الزمان فقط، وقد أثار قلقًا عالميًا بسبب مقاومته للعديد من العلاجات المضادة للفطريات. المبيضات أوريس هو فطر يعيش عادةً في البيئة، خارج جسم الإنسان، ومع ذلك فهو قادر على البقاء على قيد الحياة في درجات حرارة مرتفعة نسبيًا داخل جسم الإنسان - وهي سمة نادرة نسبيًا في الفطريات. ربما اكتسب هذا الفطر هذه القدرة نتيجةً لتكيفه مع ارتفاع درجات الحرارة المحيطة بسبب تغير المناخ.
يستخدم الباحثون أساليب البحث الجيني لفهم الآليات المسؤولة عن الخصائص الفريدة للفطر بشكل أفضل. ويأملون أن تُسهم هذه المعلومات في تطوير أدوية تستهدف هذه الآليات ومكوناتها.
الإمكانات العلاجية - ليس للقتل، بل لحرمان مورد حيوي
لا تقتصر الخطوة التالية في البحث على الملاحظات والتصوير فحسب، بل تشمل أيضًا اختبار مواد كيميائية قد تعمل كمثبطات لامتصاص الحديد في الخلايا الفطرية. بعض هذه المواد أدوية معروفة، مثل الأسبرين والنابروكسين، والتي أظهرت التجارب المخبرية قدرتها على تعطيل نشاط البروتينات الرابطة للهيم. إن إمكانية حجب هذا النظام والتسبب في نقص الحديد لدى الفطر قد تُفضي إلى نهج علاجي جديد، لا يعتمد على القضاء المباشر على العامل الممرض، بل على حرمانه من مورد أساسي لبقائه.
ثمة خيار آخر يتمثل في محاولة استغلال نظام امتصاص الهيم لإيصال الأدوية المضادة للفطريات إلى الخلايا الفطرية، وهو نهج يُمكن تسميته "حصان طروادة". هذه الطريقة، التي تتطلب فهمًا دقيقًا للنظام، تسمح باستخدام جرعات أقل بكثير من هذه الأدوية السامة. فبدلًا من إغراق جسم المريض بكمية كبيرة من الدواء، يُمكن إعطاؤه كمية صغيرة منه، والتي ستمتصها الخلايا الفطرية بكفاءة وتُلحق الضرر بها.
يستخدم الباحثون أساليب البحث الجيني لفهم الآليات المسؤولة عن الخصائص الفريدة للفطر بشكل أفضل. ويأملون أن تُسهم هذه المعلومات في تطوير أدوية تستهدف هذه الآليات ومكوناتها.
أتطلع قدما
تُمثل هذه الدراسة خطوة أخرى نحو فهم الأساس الجزيئي للعلاقات بين الفطريات ومضيفيها، ولا سيما الصراع على الحديد - وهو مورد نادر وضروري في الجسم. في عصرٍ تتزايد فيه العدوى الفطرية وتتفاقم فيه مقاومة الأدوية، قد يكون فهم المسارات البيوكيميائية لمسببات الأمراض مفتاحًا لتطوير استراتيجيات دفاعية جديدة.
ويختتم كورنيتزر قائلاً: "ستتمتع مسببات الأمراض دائماً بميزة تطورية - ولكن كلما فهمنا أدواتها بشكل أفضل، كلما تمكنا من تقديم حلول أكثر دقة".
تعليقات 2
إنه مفيد للجسم وللفطريات على حد سواء، لذا علينا الحرص على تحييده إذا كنا نهتم بصحة أجسامنا أكثر من اهتمامنا بصحة الفطريات. 🙂
لا، فهمت حينها، هل الحديد مفيد أم ضار للجسم؟ أم للفطريات؟