ابتكر الباحثون نوعًا جديدًا من البنية الكمومية الإلكترونية في جزيء اصطناعي

كشف جزيء نصف موبيوس الجديد، الذي تم بناؤه ذرة تلو الأخرى، عن فئة جديدة من المادة الكمومية، وتم فهمه باستخدام مزيج من التجارب المتقدمة والحوسبة الكمومية.

مدار دايسون لالتقاط الإلكترون، محسوب باستخدام أجهزة الكم. حقوق الصورة: IBM وجامعة مانشستر.
مدار دايسون لالتقاط الإلكترون، محسوب باستخدام أجهزة الكم. حقوق الصورة: IBM وجامعة مانشستر

نجح فريق من الباحثين من شركة IBM العملاقة في مجال الحوسبة، بالتعاون مع علماء من جامعات أوروبية رائدة، في ابتكار جزيء جديد لم يسبق رصده أو التنبؤ بوجوده رسميًا. وقد تم اختبار البنية غير المألوفة لهذا الجزيء والتحقق منها باستخدام حاسوب IBM الكمومي.

كان هذا الاكتشاف نتيجة تعاون بين فريق من الباحثين من شركة IBM بالتعاون مع علماء من جامعة أكسفورد وجامعة مانشستر في المملكة المتحدة، ومن المؤسسات التكنولوجية الرائدة في سويسرا: ETH زيورخ وEPFL، وجامعة ريغنسبورغ في ألمانيا.

في دراسة نُشرت في مجلة ساينس أعلن باحثون عن ابتكار أول جزيء يُظهر بنية إلكترونية نصف موبيوس، وهو شكل جديد من أشكال المادة الكمومية لم يُطرح سابقًا كنظرية. بُني الجزيء ذرةً ذرة، ولفهم سلوكه الإلكتروني، استخدم الفريق نهجًا حاسوبيًا يركز على الكم، ويجمع بين الأنظمة الكلاسيكية والكمومية.

يجمع هذا البحث في جوهره بين فكرتين شهيرتين لريتشارد فاينمان. ففي عام ١٩٥٩، تحدث عن إمكانية هندسة المادة ذرةً ذرة. وبعد عقدين من الزمن، أضاف أن الطبيعة ليست كلاسيكية، وبالتالي، فإن محاكاتها بدقة تتطلب أنظمة كمومية. يوضح هذا العمل الجديد هاتين الفكرتين معًا: كل من الإنتاج المُتحكم به للمادة على المستوى الذري، واستخدام الحاسوب الكمومي لتفسير خصائصها.

الطوبولوجيا هي فرع من فروع الرياضيات يدرس خصائص البنية وكيفية ترابط أجزائها. عادةً، عند تتبع المدارات الذرية في جزيء حلقي، نعود إلى نقطة البداية نفسها بعد دورة واحدة. هذه بنية طوبولوجية طبيعية. أما في بنية تشبه شريط موبيوس، فيوجد التواء بمقدار نصف دورة، لذا يتطلب الأمر دورتين للعودة إلى نقطة البداية.

في الجزيء الجديد، تمكن الباحثون من خلق حالة أكثر تعقيدًا. إذ لا تُكمل السحابة الإلكترونية دورة كاملة إلا بعد أربع مدارات كاملة، حيث تدور المرحلة الإلكترونية 90 درجة في كل مدار. والنتيجة هي بنية نصف موبيوس، التي تُعرّف فئة إلكترونية جديدة تختلف عن البنى الجزيئية المعروفة حتى الآن.

من أبرز جوانب هذه الدراسة أن النظام ليس ثابتًا في حالة واحدة. فقد أظهر الباحثون إمكانية تحويل الجزيء بشكل عكسي بين حالة موبيوس النصفية اليمنى، وحالة موبيوس النصفية اليسرى، وحالة طوبولوجية طبيعية. أي أن الطوبولوجيا ليست خاصية سلبية للجزيء، بل هي خاصية يمكن هندستها والتحكم بها وتغييرها.

تم تجميع الجزيء نفسه، الذي صيغ على النحو C₁₃Cl₂، في مركز أبحاث IBM في أوروبا بزيورخ باستخدام مجهر المسح المجهري، على طبقة عازلة رقيقة فوق الذهب، عند درجات حرارة أعلى بقليل من الصفر المطلق. وقد ساهمت ثلاث أدوات رئيسية من إرث IBM البحثي في ​​تحقيق هذا الإنجاز: مجهر المسح النفقي (STM)، وطرق تحريك الذرة المفردة، ومجهر القوة الذرية (AFM).

مكّن المجهر النفقي الماسح (STM)، الذي اخترع عام 1981 في مختبرات IBM بزيورخ، من دراسة الأسطح لأول مرة على مستوى الذرة الواحدة، وحصل مخترعوه على جائزة نوبل في الفيزياء. في هذه الدراسة، استُخدم لرسم خرائط المدارات الجزيئية. وفي عام 1989، طوّرت المختبرات نفسها تقنية موثوقة لتحريك الذرات المفردة، واستخدمتها هذه المرة لبناء الجزيء وتحريكه بين مختلف البنى. كما استُخدم المجهر الذري الماسح (AFM)، الذي حظي باعتراف دولي، لتحديد الهندسة الجزيئية بدقة.

لكن تجميع جزيء معقد كهذا ليس سوى جزء من التحدي. إذ يُظهر نظامه الإلكتروني ترابطات كمومية قوية وطبيعة متعددة الخصائص، ما يعني أن سلوك الإلكترونات لا يمكن وصفه بالكامل باستخدام الطرق الكلاسيكية القياسية. وقد وسّعت طرق ما بعد هارتري-فوك، مثل مونت كارلو الكمومي، وCASSCF، وCASPT2، وCCSD، وCCSD(T)، وSelective CI، حدود الحساب الكلاسيكي بشكل كبير، ولكن في هذه الحالة، ينمو فضاء الحالات بشكل أُسّي، ما يجعل المسألة بالغة الصعوبة.

لذا، اتبع الفريق نهجًا حسابيًا مختلفًا جذريًا. قام الباحثون بتشغيل خوارزمية تُسمى SqDRIFT، وهي خوارزمية قطرية كمومية تعتمد على أخذ العينات، على نظام حوسبة كمومي. وبذلك، استكشفوا مساحة فعالة أكبر بكثير مما يمكن الوصول إليه باستخدام القطرية الكلاسيكية المباشرة. تم التحقق من تقارب النتائج في حسابات أُجريت على ما يصل إلى 100 كيوبت على معالج IBM Heron.

لم يكن الهدف هو إثبات أداء الأجهزة لذاته، بل فك شفرة البنية الإلكترونية لمادة كمومية جديدة تم تصنيعها بالفعل. كشفت المحاكاة الكمومية عن مصدر الانتقال بين البنى، وهو ما يُعرف بتأثير يان-تيلر الزائف الحلزوني، أي تغير في البنية الإلكترونية ناتج عن الهندسة الملتوية للجزيء. كما أكدت وجود مدار جزيئي ملتوي لامتصاص الإلكترونات، والذي يُعتبر سمة مميزة لبنية نصف موبيوس.

بمعنى آخر، لم يُستخدم الحاسوب الكمومي هنا كعرض نظري على مثال بسيط، بل كأداة علمية لتفسير البيانات التجريبية الحقيقية. تُعد هذه خطوة هامة في جعل الحوسبة الكمومية أداة بحثية في الكيمياء الكمومية. ووفقًا للباحثين، فإن برنامج SqDRIFT ليس مُصممًا ليحل محل الأدوات التقليدية، بل ليكملها. فهو ينضم إلى مجموعة أدوات ما بعد هارتري-فوك، ولكنه يعتمد على نموذج حسابي مختلف تمامًا. وقد تتضح ميزته بشكل خاص مع ظهور أجيال جديدة من الحواسيب الكمومية، والتي ستتيح معالجة الجزيئات ذات المساحات النشطة الكبيرة.

لا تكمن أهمية هذا البحث في الجزيء الجديد أو الخوارزمية الجديدة فحسب، بل في التفاعل بينهما. فمن جهة، تُنتج التجارب على المستوى الذري أشكالًا جديدة من المادة الكمومية. ومن جهة أخرى، توفر الحوسبة الكمومية طريقة طبيعية للتنبؤ بسلوكها وتفسيره. وهكذا، تُعزز التجربة والمحاكاة بعضهما بعضًا: فالمختبر يُنتج مادة جديدة، والحاسوب الكمومي يُساعد على فهمها.

يرى الباحثون في هذا تجسيدًا عمليًا لرؤية فاينمان. فاليوم، نمتلك بالفعل الأدوات اللازمة لهندسة الجزيئات ذرةً ذرة، إلى جانب أدوات الكم لدراسة هذه الأنظمة. إذا كانت الطبيعة كمومية، فإن المحاكاة باستخدام أنظمة الكم ليست مجرد احتمال مستقبلي، بل هي الطريقة الطبيعية لفهمها.

قال الدكتور أليساندرو كوريوني، مدير أبحاث شركة IBM في أوروبا وأفريقيا ومدير مختبر IBM المركزي لأبحاث الكم في زيورخ: "كانت الخطوة الأولى تصميم جزيء نعتقد أنه قابل للتصنيع. ثم قمنا ببنائه، وأخيراً تحققنا من صحته وخصائصه الاستثنائية باستخدام حاسوب كمومي. هذه خطوة هامة نحو تحقيق الرؤية التي طرحها الفيزيائي الشهير ريتشارد فاينمان قبل عقود، والمتمثلة في بناء حاسوب قادر على محاكاة قوانين الفيزياء الكمومية على أفضل وجه. ويُعد نجاح هذا البحث خطوة أخرى نحو تحقيق هذه الرؤية، ويفتح آفاقاً جديدة لاستكشاف عالمنا والمادة التي يتكون منها."

شرح الصورة:

عنوان: باحثون يبتكرون أول جزيء نصف موبيوس في العالم
العنوان الفرعي:
תגים: الحوسبة الكمومية، الكيمياء الكمومية، آي بي إم، الجزيئات، الطوبولوجيا، المادة الكمومية، تكنولوجيا النانو، العلوم
العبارة الرئيسية: جزيء نصف موبيوس
المرادفات: شبه موبيوس، جزيء طوبولوجي، مادة كمومية جديدة، كيمياء الكم، محاكاة الكم، آي بي إم كوانتوم، مدارات جزيئية، طوبولوجيا إلكترونية
سبيكة: محاكاة الكم لجزيء موبيوس النصف الأول

اقتراح آخر لتعليق الصورة: على اليسار: صورة مجهرية ماسحة نفقية لكثافة المدارات الإلكترونية في جزيء نصف موبيوس الجديد؛ على اليمين: محاكاة مجهرية ماسحة نفقية لنفس كثافة المدارات، تم إنشاؤها باستخدام حاسوب كمومي من شركة IBM. حقوق الصورة: قسم الأبحاث في IBM وجامعة مانشستر.

תגובה אחת

  1. بحسب عالم الفيزياء في معهد التخنيون، تم بناء مجهر ذري
    لدراسة جزيئات الماء. أعلم أن دقتها من بين الأفضل في العالم. هل يمكن استخدامها لبناء نظام حيوي مماثل؟

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.