هل الزمن شيءٌ يتدفق، أم مجرد وهم؟ إن دراسة الزمكان كنسيج ثابت أو متحرك تكشف عن أسئلة أعمق حول الوجود والتغير والطبيعة الحقيقية للواقع.
بقلم داريل جانزن، جامعة ساسكاتشوان، ذا كونفرسيشن
هل الزمن شيءٌ يتدفق، أم مجرد وهم؟ إن دراسة الزمكان كنسيج ثابت أو متحرك تكشف عن أسئلة أعمق حول الوجود والتغير والطبيعة الحقيقية للواقع.
لقد غيرت أفكار قليلة في العلوم الحديثة فهمنا للواقع بقدر ما غيرت نظرية الزمكان - التوحيد المتكامل بين المكان والزمان في جوهر نظرية النسبية لألبرت أينشتاين.
يُوصف الزمكان أحيانًا بأنه "نسيج الواقع". وفي بعض التفسيرات، هو بنية ثابتة رباعية الأبعاد.كتلة الكونخريطة كاملة لجميع الأحداث الماضية والحاضرة والمستقبلية. في تفسيرات أخرى، هو مجال ديناميكي ينحني وينحنى استجابةً للجاذبية. وهذا يثير سؤالاً أعمق: ما معنى القول بأن الزمكان "موجود"؟ هل هو بنية أم مادة أم مجرد استعارة؟
جوهر الفيزياء الحديثة
هذه الأسئلة ليست فلسفية فحسب، بل تُشكّل أساس تفسير الفيزياء اليوم، وتؤثر على أفكارٍ تتراوح من فهم نظرية النسبية إلى التكهنات حول السفر عبر الزمن، والأكوان المتعددة، وأصل الكون.
كما أنها تُشكّل نظرياتٍ حول كيفية نشوء الزمكان نفسه، بما في ذلك اقتراحاتٍ بأنه قد يكون نوعًا من "ذاكرة الكون". ومع ذلك، فإن اللغة المستخدمة لوصف الزمكان غالبًا ما تكون غامضة، ومجازية، ومتناقضة.
لاحظ الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين أن المشكلات الفلسفية تنشأ عندما "تغيب اللغة". والفيزياء، من نواحٍ عديدة، توضح هذه المقولة جيدًا.
على مدار القرن الماضي، أُعطيت كلمات يومية مثل "الزمن" و"الوجود" و"الأبدية" معانٍ تقنية خاصة، دون التطرق إلى الافتراضات التي تُبنى عليها اللغة اليومية. وقد أدى ذلك إلى لبس واسع النطاق حول المعنى الحقيقي لهذه المفاهيم.
مشكلة اللغة
في فلسفة الفيزياء، وخاصةً في المنهج المعروف بـ"الأبدية"، تُفهم كلمة "أبدي" حرفيًا. ووفقًا لهذا الرأي، لا يتدفق الزمن أو يمر؛ فجميع الأحداث في جميع الأوقات حقيقية بنفس القدر ضمن بنية رباعية الأبعاد تُعرف باسم "الكون الكتلي".
وفقًا لهذا النهج، فإن تاريخ الكون بأكمله مُرَسَّمٌ سلفًا في نسيج الزمكان، أبديًا. "الأبدية" في هذا السياق تعني أن الكون نفسه ليس متواصلًا أو مُتَكَشِّفًا. لا وجود لـ"صيرورة" أو "تغيير". ليس هناك سوى كتلة، وفي داخلها يوجد الأبدية دفعةً واحدة.
لكن هذا يثير مشكلة أعمق: إذا كان كل شيء موجودًا بالتساوي، فماذا يعني القول بأن المكان والزمان "موجودان" في حد ذاتهما؟
الفيل في الغرفة
هناك فرق بين "الوجود" و"الحدوث". الأول يصف حالة من الوجود، والثاني يصف حالة من الحدوث.
تخيّل فيلًا يقف بجانبك. يمكنك القول: "هذا الفيل موجود". إنه كائن ثلاثي الأبعاد، والأهم من ذلك، أنه كائن موجود.
على النقيض من ذلك، فإن فيلًا ثلاثي الأبعاد تومض واختفى في غمضة عين - انقطاعٌ مؤقت عن حياة فيلٍ موجود - لا "يوجد" بالمعنى المعتاد. لقد حدث.
من منظور الزمكان، يُوصف الفيل الموجود بأنه خط عالمي رباعي الأبعاد، أي مساره في المكان والزمان. في المقابل، فإن "الفيل الظاهر" ليس سوى قطع لحظي من داخل ذلك الأنبوب نفسه.
السؤال هو: هل الزمكان بحد ذاته موجود كالفيل؟ هل له حاضره الخاص؟ أم أن الزمكان مجرد إطار وصفي يرسم خريطة للأحداث؟
مشكلة الأبدية
تُخلط الأبدية بين هذا التمييز: فهي تُعامل الأبدية بأكملها كبنية قائمة، وتزعم أن تجربة مرور الزمن وهم. لكن هذا الوهم مُستحيل إذا حدث الزمكان بأكمله "في آنٍ واحد".
ولإعادة خلق الإحساس بمرور الوقت، يجب أن يوجد الزمكان الرباعي الأبعاد بشكل أشبه بالفيل ثلاثي الأبعاد الموجود - والذي يوجد على طول مساره الرباعي الأبعاد.
جميع الأحداث
الآن يطرح سؤال آخر: إذا كانت جميع الأحداث عبر تاريخ الكون موجودة، فمتى وُجدت الكتلة بأكملها؟ إذا لم تتكشف أو تتغير، فهل هي موجودة خارج الزمن؟ إذا كان الأمر كذلك، فإننا مضطرون لإضافة بُعد زمني آخر - بُعد خامس - لنقول إن الزمكان رباعي الأبعاد موجود بنفس الطريقة التي نقول بها إن الفيل موجود في فضاء ثلاثي الأبعاد.
لكن بفعلنا هذا، ننحرف عن الفيزياء التقليدية. ونكشف عن مشكلة عميقة: ليس لدينا طريقة متماسكة للحديث عن وجود الزمكان دون إعادة الزمن من الباب الخلفي.
إنه مثل محاولة وصف أغنية موجودة دفعة واحدة، دون أن يتم أداؤها، أو سماعها، أو تطويرها.
من الفيزياء إلى الشعبية
ويؤثر هذا الارتباك أيضًا على صور الزمن في الأدب والسينما.
في فيلم Terminator (1984)، كانت جميع الأحداث محددة مسبقًا: السفر عبر الزمن ممكن، لكن لا يمكن تغيير الخط الزمني.
على النقيض من ذلك، في فيلم Avengers: Endgame (2019)، تقوم الشخصيات بتغيير الماضي وتشكيل خط زمني جديد، كما لو كان الكون الكتلي قادرًا على الوجود والتغير.
في كلتا الحالتين، يُفترض أن الماضي والمستقبل "موجودان هناك"، جاهزان للرحلة. لكن أياً منهما لا يُعالج حقاً معنى هذا "الوجود".
فهم الواقع
عندما يقول الفيزيائيون إن الزمكان "موجود"، فإنهم يستخدمون إطارًا غامضًا يطمس الخط الفاصل بين الوجود والحدوث. والنتيجة نموذج ميتافيزيقي غامض، بل ويحجب أحيانًا طبيعة الواقع.
كان أينشتاين لا يزال مُحقًا - المعادلات فعّالة، والتجارب تُؤكّدها. لكن كيفية تفسيرنا لهذه المعادلات تُهمّ، لا سيما أنها تُؤثّر على الخطاب حول الواقع، وتُحاول توحيد النسبية العامة مع نظرية الكم.
إن تعريف الزمان والمكان هو أكثر من مجرد نقاش تقني، بل هو سؤال حول نوع العالم الذي نعتقد أننا نعيش فيه.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
تعليقات 4
يُطلق عليه اسم الإشعاع الكوني.
الأمر أبسط بكثير - الزمن نفسه غير موجود. ما هو موجود هو الزمكان. الزمن تابع للمكان.
1. المكان والزمان موجودان فقط لأولئك الذين يتواجدون في "الكون المغلق".
2. بالنسبة للمراقب خارج "الكون الكتلي"، فإن الزمكان غير موجود - فهو "يرى" الماضي والحاضر والمستقبل، والفضاء ككائن واحد.
ليس الزمن هو الذي يتدفق، بل شعاع الخلق هو الذي يتدفق، ودون انقطاع، منذ لحظة خلق الفراغ الأولي الذي يُطلق عليه العلماء اسم الانفجار العظيم، يستمر خطٌّ موحدٌّ لا ينقطع، ويمكن ملاحظته (إن كنت مهتمًا) على شاشة التلفزيون، مثلاً، عندما لا تستطيع استقبال محطة، ويكون هناك طنينٌ مستمر! وهذا مجرد مثال واحد من أمثلة كثيرة!
لو افترضنا للحظة أن الكون نشأ من انفجار عظيم، لما وُجد مصطلح "الكون الكتلي"، ولكان الفضاء أبديًا كالزمان، ولن تكون له بداية ولا نهاية. تستند معظم النظريات إلى الانفجار العظيم، وبالتالي تقتصر على تطبيقها فقط. لا يوجد دليل فعلي على أن للكون بداية ونهاية.