اكتشف العلماء "انعكاسات" في الحمض النووي تسرع عملية التطور

تُظهر الأبحاث التي أُجريت على حيوانات البنغول في بحيرة ملاوي أن الانقلابات الكروموسومية تحافظ على تجمعات الجينات المفيدة معًا، وتساعد على التكيف السريع، وقد تُسرّع من تكوين أنواع جديدة.

تم اكتشاف تسلسلات حمض نووي غير عادية، خضعت لانعكاسات في اتجاهها، ضمن جينومات أسماك البلطي في بحيرة ملاوي. قد تُسرّع هذه التراكيب الجينية عملية التطور من خلال الحفاظ على الجينات الأساسية للبقاء والتكاثر معًا، مما قد يُفسّر كيف نشأت مئات الأنواع بهذه السرعة في بحيرة واحدة. صورة توضيحية: depositphotos.com
تم اكتشاف أجزاء غير عادية من الحمض النووي (DNA) خضعت لانعكاسات في اتجاهها ضمن جينومات أسماك البلطي من بحيرة ملاوي. قد تُسرّع هذه التراكيب الجينية عملية التطور من خلال الحفاظ على الجينات الأساسية للبقاء والتكاثر معًا، مما قد يُفسّر كيف نشأت مئات الأنواع بهذه السرعة في بحيرة واحدة. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

تُعد بحيرة ملاوي في شرق أفريقيا واحدة من أكثر مختبرات الطبيعة إثارةً لدراسة التطور. فقد تطورت مئات الأنواع من أسماك البلطي بمعدل استثنائي في هذه البحيرة، مما أتاح للعلماء فرصة نادرة لفهم كيفية نشوء هذا التنوع البيولوجي الغني. والآن، أفاد باحثون بأنهم حددوا أجزاءً من الحمض النووي "معكوسة" في هذه الأنواع، والتي قد تعمل كمحفزات تطورية فائقة. ووفقًا للدراسة، قد تسمح هذه التغيرات الكروموسومية للأسماك بالتكيف بسرعة مع بيئات جديدة، وفي نهاية المطاف، الانقسام إلى أنواع منفصلة.

يُعدّ أحد الأسئلة المحورية في علم الأحياء كيفية نشوء الأنواع الجديدة، وكيف تطوّر التنوع الهائل للنباتات والحيوانات على الأرض عبر الزمن. وتُعتبر أسماك البلطي في بحيرة ملاوي مثالاً بارزاً على ذلك، إذ تطوّر أكثر من 800 نوع منها من سلف مشترك، في فترة زمنية أقصر بكثير من تلك التي استغرقها البشر والشمبانزي للانفصال عن سلفهما المشترك.

الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو أن كل هذا "التطور الهائل" حدث في نفس المسطح المائي. فقد أصبحت بعض أنواع البلطي مفترسات كبيرة، بينما تخصصت أنواع أخرى في التغذي على الطحالب، وتعلمت أنواع أخرى البحث عن الطعام في الرمال أو التغذي على العوالق. ومع مرور الوقت، تكيف كل نوع مع بيئته الخاصة داخل البحيرة نفسها.

لفهم كيفية حدوث هذا التغيير السريع، قام باحثون من جامعة كامبريدج وجامعة أنتويرب بفحص الحمض النووي لأكثر من 1,300 سمكة بلطي. ونُشرت نتائجهم في المجلة. علومكان الهدف من الدراسة هو فحص ما إذا كانت هناك أي خصائص وراثية غير عادية يمكن أن تفسر معدل التمايز غير العادي للمجموعة.

بحسب هانز سفيردل من جامعة أنتويرب، أحد كبار مؤلفي الدراسة، اكتشف الباحثون أن أجزاءً كبيرة من الحمض النووي (DNA) على خمسة كروموسومات قد انقلبت في بعض الأنواع. يُعرف هذا النوع من الطفرات باسم "الانقلاب الكروموسومي". في الوضع الطبيعي، تحدث عملية إعادة تركيب أثناء التكاثر، حيث تختلط المادة الوراثية من كلا الأبوين. إلا أنه ضمن جزء خضع لانقلاب كروموسومي، تكون عملية إعادة التركيب محدودة للغاية. ونتيجة لذلك، تبقى مجموعة الجينات داخل هذا الجزء متماسكة وتنتقل من جيل إلى جيل كحزمة واحدة تقريبًا.

قد يكون لهذه الآلية أهمية تطورية بالغة. فعندما تتجمع عدة جينات مفيدة معًا، بدلًا من تشتتها عبر إعادة ترتيب الجينات، تُحفظ التراكيب الجينية "الناجحة" التي تساعد على التكيف مع ظروف بيئية معينة. وقد وصفها موريتز بلومر، المؤلف الأول من قسم علم الوراثة في جامعة كامبريدج، بأنها أشبه بصندوق أدوات يضم جميع الأدوات الأكثر فائدة. وبهذه الطريقة، تُحفظ التراكيب الجينية الناجحة، مما يساعد الأسماك على التكيف مع بيئات مختلفة.

يُطلق الباحثون أحيانًا على هذه التجمعات الجينية اسم "الجينات الفائقة". ووفقًا للدراسة، تؤدي هذه الجينات الفائقة في حيوان البنغول في بحيرة ملاوي وظائف مهمة عديدة. أولًا، على الرغم من إمكانية تزاوج أنواع مختلفة من البنغول أحيانًا، فإن الانقلابات الكروموسومية تُساعد في الحفاظ على الحدود الفاصلة بين الأنواع. فهي تُقلل من الاختلاط الجيني بين المجموعات المختلفة، مما يُساعد في الحفاظ على الاختلافات الجنسية والبيئية بمرور الوقت. ويُعد هذا التأثير بالغ الأهمية في مناطق البحيرة التي تعيش فيها أنواع عديدة جنبًا إلى جنب، كما هو الحال في الموائل الرملية المفتوحة حيث لا توجد حواجز مادية واضحة بينها.

ثانيًا، ترتبط العديد من الجينات الموجودة ضمن هذه الجينات الفائقة بصفات أساسية للبقاء والتكاثر، بما في ذلك البصر والسمع والسلوك. تعيش أسماك البلطي التي تعيش في أعماق البحيرة، حتى عمق 200 متر تقريبًا، في ظروف معيشية مختلفة تمامًا عن أقاربها التي تعيش بالقرب من السطح. ففي الأعماق، يقل الضوء، وتختلف مصادر الغذاء، ويزداد الضغط. وقد تحافظ الجينات الفائقة على مجموعة الصفات الوراثية التي تسمح لهذه الأسماك بالازدهار في هذه الظروف الخاصة.

تُثير الدراسة أيضًا احتمالًا آخر مثيرًا للاهتمام: عندما تتزاوج أنواع مختلفة من البنغول، فمن الممكن أن تنتقل انقلابات كروموسومية كاملة من نوع إلى آخر، مصحوبة بمجموعة كاملة من الصفات المفيدة. ووفقًا لبلومر، قد يُؤدي هذا الانتقال إلى تكيفات مهمة للبقاء، مثل التكيف مع بيئة معينة، مما يُسرّع عملية التطور.

اكتشف الباحثون أيضاً أن هذه الانقلابات الكروموسومية غالباً ما تعمل ككروموسومات جنسية، أي كروموسومات تُساعد في تحديد ما إذا كان الفرد سيتطور إلى ذكر أو أنثى. ونظراً لأن الكروموسومات الجنسية قد تلعب دوراً هاماً في تكوين أنواع جديدة، فإن هذا الاكتشاف يثير تساؤلات إضافية حول مساهمة هذه التراكيب الجينية في التطور.

يؤكد البروفيسور ريتشارد دوربين من قسم علم الوراثة في جامعة كامبريدج، وهو أحد كبار مؤلفي الدراسة، أن الانقلابات الكروموسومية ليست حكرًا على سمك البلطي. فهي تحدث أيضًا في العديد من الحيوانات الأخرى، بما في ذلك البشر، وينظر إليها الباحثون بشكل متزايد على أنها عامل مهم في التطور ونشوء التنوع البيولوجي.

بحسب سويردل، يدرس باحثو التطور عملية نشأة الأنواع الجديدة منذ سنوات عديدة. والآن، مع بدء فهمنا بشكل أفضل لكيفية نشوء هذه الجينات الفائقة وانتشارها بين المجموعات السكانية والأنواع، نقترب أيضاً من حل أحد أعظم أسئلة العلم: كيف أصبحت الحياة على الأرض غنية ومتنوعة ومعقدة إلى هذا الحد؟

تشير الدراسة بالتالي إلى آلية جينية محددة قد تفسر كيف يمكن أن يحدث تنوع سريع للغاية في الأنواع ضمن نفس الحيز الجغرافي. فبدلاً من النظر إلى التطور كعملية بطيئة وموحدة، تُظهر الدراسة أن تغييراً بنيوياً في الجينوم، مثل انقلاب جزء من الكروموسوم، قد يحافظ أحياناً على سمات مفيدة ويمنح مجموعة سكانية دفعة قوية نحو التكيف والتنوع. في بحيرة ملاوي على الأقل، يبدو أن هذه "الانقلابات" في الحمض النووي ربما كانت أحد المحركات القوية لخلق ثراء بيولوجي استثنائي.

للمادة العلمية

DOI: 10.1126/science.adr9961

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.