أظهرت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب أن الديناصورات ذات الريش من مجموعة بانيرابتور طورت أجنحة ولكنها على الأرجح فقدت القدرة على الطيران، وهو اكتشاف يزيد من تعقيد قصة أصل الطيور.
ليس كل من يملك أجنحة قادرًا على الطيران. طائر الكيوي والنعامة والبطريق خير دليل على ذلك. يعود بنا بحث جديد من جامعة تل أبيب إلى الوراء 160 مليون سنة، إلى العصر الجوراسي، ويكشف أن هذه الظاهرة بدأت مع الديناصورات ذات الريش. ففي حفريات نادرة للغاية اكتُشفت في شرق الصين، لم تُحفظ هياكل الديناصورات فحسب، بل حُفظت أيضًا ريش أجنحتها، وحتى لونها. يكشف تحليل معمق لهذا الاكتشاف عن معلومة مذهلة: كانت تلك الديناصورات مُجهزة بالريش بالفعل، لكنها فقدت على ما يبدو القدرة على الطيران. يؤكد فريق البحث على الأهمية الكبيرة لهذا الاكتشاف، إذ يُشير إلى أن تطور الطيران خلال مسيرة تطور الطيور والديناصورات كان أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. في الواقع، ربما طورت بعض الأنواع قدرات طيران أساسية، ثم فقدتها لاحقًا في مسيرة التطور.
لقد صنعوا لهم أجنحة.
أشرف على الدراسة الدكتور يوسف خياط من مدرسة علم الحيوان في كلية جورج س. وايز لعلوم الحياةومنمتحف شتاينهارت للطبيعةبالتعاون مع باحثين من الصين والولايات المتحدة، نُشرت هذه الدراسة في مجلة "كوميونيكيشنز بيولوجي" التابعة لمجلة "نيتشر". ووفقًا للباحثين، يُعد هذا الاكتشاف نادرًا للغاية، إذ يُتيح لنا نظرة استثنائية ليس فقط على بنية أجسام الكائنات القديمة، بل أيضًا على كيفية عملها.
لفهم حجم المفاجأة، علينا العودة إلى البداية. يوضح الدكتور خياط، عالم الطيور المتخصص في دراسة الريش: "انفصلت سلالة الديناصورات عن بقية الزواحف قبل 240 مليون سنة. وبعد فترة قصيرة نسبيًا (على المقياس التطوري)، طوّر العديد من الديناصورات ريشًا - وهو بنية عضوية فريدة وخفيفة وقوية مصنوعة من البروتين، وتُستخدم بشكل أساسي للطيران والحفاظ على حرارة الجسم. قبل حوالي 175 مليون سنة، نشأت سلالة من الديناصورات ذات الريش تُسمى "بانرابتور"، والتي تطورت منها الطيور الحديثة - الفرع الوحيد الذي نجا من الانقراض الجماعي الذي أنهى حقبة الحياة الوسطى قبل 66 مليون سنة، والذي انقرضت فيه معظم الديناصورات الأخرى. "على حد علمنا، طوّرت مجموعة بانرابتور الريش لأغراض الطيران، ولكن من المحتمل أنه عندما تغيرت الظروف، فقدت بعض هذه الديناصورات القدرة على الطيران - على غرار النعام والبطاريق في العصر الحديث."
الريش الذي انتظر 160 مليون سنة ليحكي قصة
تتمحور الدراسة حول تسعة أحافير لديناصور صغير يُدعى أنكيورنيس، ينتمي إلى مجموعة بانرابتور. وقد سمحت ظروف التحجر غير العادية في المنطقة التي عُثر عليها فيها بحفظ الأنسجة الرخوة، بما في ذلك ريش الجناح، بشكل استثنائي. لكن ما جعل هذا الاكتشاف استثنائيًا حقًا هو الحفاظ على لون الريش نفسه: أبيض، مع بقعة سوداء في طرفه، ونمط واضح يتكرر على طول حافة الجناح.
هنا يبرز تفصيلٌ يبدو بسيطًا، ولكنه في الواقع بالغ الأهمية: تجديد الريش. "ينمو الريش لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع حتى يصل إلى حجمه المطلوب، ثم ينفصل عن الأوعية الدموية التي تغذيه خلال نموه ويتحول إلى نسيج ميت. ومع مرور الوقت، يتآكل ويسقط، ليحل محله ريش جديد. تكشف عملية تجديد الريش عن حقيقة مهمة: فالحيوانات المجنحة التي تعتمد على الطيران، وعلى الريش الذي يمكّنها منه، تُجدد ريشها بعملية منظمة وتدريجية تحافظ على تناسق الأجنحة وتسمح لها بمواصلة الطيران حتى خلال هذه الفترة. في المقابل، تكون عملية تجديد الريش لدى الطيور غير القادرة على الطيران أكثر عشوائية وفوضوية. لذلك، فإن طريقة تجديد الريش تُخبرنا ما إذا كان هذا الحيوان المجنح قادرًا على الطيران أم لا"، كما يوضح الدكتور خياط.
سمحت الألوان المحفوظة في الأحافير للباحثين بتحديد الريش الجديد الذي لم يكتمل نموه بعد، والذي انحرفت فيه البقعة السوداء عند طرفه عن الخط المنتظم. وكشف الفحص الدقيق لهذا الريش في الأحافير التسع عن نمط واضح: لم يحدث استبدال الريش بطريقة منتظمة ومتماثلة.
يقول الدكتور خياط: "انطلاقًا من معرفتي بالطيور الحديثة، لاحظتُ نمط استبدال الريش الذي يشير إلى أن هذه الديناصورات ربما فقدت القدرة على الطيران. هذا اكتشاف نادر ومثير للغاية: فقد أتاح لنا الحفاظ على لون الريش فرصة فريدة لتحديد سمة وظيفية لهذه المخلوقات القديمة، وليس مجرد بنية الجسم المحفوظة في الأحافير التي تشمل الهياكل العظمية والعظام". ويختتم قائلاً: "قد يبدو تساقط الريش تفصيلاً تقنيًا بسيطًا، لكن عند فحصه في الأحافير، يُمكن أن يُغير كل ما كنا نعتقده عن أصل الطيران. ينضم الآن طائر أنكيورنيس إلى قائمة الديناصورات التي كانت مغطاة بالريش ولكنها لم تكن تطير، مما يُسلط الضوء على مدى تعقيد وتنوع تطور الجناح".
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: