بقلم: رويت نوري، موقع معهد ديفيدسون لتعليم العلوم، الذراع التعليمي لمعهد وايزمان
بكتيريا البروكلوروكوكس (بروكلوروكوكوس) كائنات دقيقة وحيدة الخلية تعيش في المحيط، وتنتمي إلى البكتيريا الزرقاء المخضرة (البكتيريا الزرقاء). ومن بين ما تتميز به هذه البكتيريا، قدرتها على القيام بعملية البناء الضوئي، أي استخدام ضوء الشمس لإنتاج السكريات، وهي عملية يُطلق خلالها الأكسجين في الغلاف الجوي. لو وضعنا عشرة آلاف من بكتيريا البروكلوروكوكس جنبًا إلى جنب، لكان طولها الإجمالي يزيد قليلاً عن نصف سنتيمتر. ولكن لا تدع حجمها يخدعك، فهي على الأرجح أكثر بكتيريا البناء الضوئي شيوعًا في المحيط، وهي مسؤولة وحدها عن إنتاج ما بين عُشر وخُمس الأكسجين في الغلاف الجوي.
حتى الآن، كان يُعتقد أن كل بكتيريا بروكلوروكوكس تعيش بمفردها. ولكن شهر غيّرت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين في جامعة قرطبة بإسبانيا، بقيادة ماريا ديل كارمن مونوز-مارين، الصورة. وجدت الدراسة أن هذه البكتيريا تُكوّن أنابيب نانوية مصنوعة من غلاف دهني يربط أنواعًا مختلفة من بكتيريا البروكلوروكوكس ببعضها البعض، وكذلك ببكتيريا من مجموعات أخرى، مثل بكتيريا السينيكوكوكس (المكورات العنقودية)، والتي تقوم أيضًا بعملية البناء الضوئي. عادةً، يكون طول هذه الأنابيب المجهرية أطول بقليل من طول بكتيريا واحدة.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد رأوا أن مثل هذه الأنابيب النانوية تتشكل أيضًا بين بكتيريا البروكلوروكوكس والبكتيريا غيرية التغذية، والتي لا تقوم بعملية التمثيل الضوئي وتتغذى على المواد الموجودة في بيئتها. الأبحاث السابقة لقد ثبت أن بكتيريا البروكلوروكوكس تُطلق فقاعات في مياه المحيط، تحتوي أحيانًا على بروتينات وحمض نووي ريبوزي (DNA) وحمض نووي ريبوزي (RNA)، حيث تلتقطها خلايا بكتيريا أخرى. ولكن هذه هي المرة الأولى التي يُثبت فيها أن البكتيريا الزرقاء تستخدم الأنابيب النانوية التي تُنتجها لتبادل المواد حتى في حالة التلامس المباشر. قد يكون لهذا الاكتشاف آثار بعيدة المدى على فهم تفاعلاتها مع الكائنات الحية الأخرى، وعلى ديناميكيات هذه المجموعة نفسها.
الأنابيب النانوية بين البكتيريا
البيئة الطبيعية لبكتيريا البروكلوروكوكس هي المحيط، وهو، على عكس بيئة المختبر المستقرة التي توفر ظروفًا مواتية لتكوين الأنابيب النانوية، أكثر ديناميكية. لذلك، يُطرح السؤال: هل تتشكل الأنابيب أيضًا في البيئة الطبيعية، حيث يتحرك الماء باستمرار وتتعرض البكتيريا لقوى فيزيائية قد تعيق عملية تكوين الأنابيب، أو تمنع اتصال الخلايا، أو تكسرها؟
لاختبار ذلك، جمع العلماء عينات من مياه غنية بالبكتيريا مباشرة من بيئتها الطبيعية. وعند فحصها تحت مجاهر متطورة، وجدوا أن هذه الجسور بين الخلايا تتشكل أيضًا في البحر، وتظهر في حوالي خمسة بالمائة من البكتيريا التي جُمعت للدراسة.
إن اكتشاف الأنابيب النانوية التي تربط البكتيريا ليس بالأمر الجديد. تم اكتشافه لأول مرة في عام 2011 وفي دراسة أجرتها عالمة الأحياء سيجال بن يهودا من الجامعة العبرية حول البكتيريا العصوية الرقيقة (العصوية الرقيقة). تم العثور على مثل هذه الهياكل في وقت لاحق بين البكتيريا الأخرى، على سبيل المثال E. كولاي.
في جميع الحالات، وجد مختبر بن يهودا أن نسبة صغيرة، وإن كانت ثابتة، من البكتيريا متصلة ببعضها البعض بواسطة الأنابيب النانوية. وأوضح الباحثون كيف تمر البروتينات عبر هذه الأنابيب من بكتيريا إلى أخرى، كما يفعل جزيء صغير يُسمى الكالسين، في أقل من خمس عشرة دقيقة، مع أن هذا الجزيء لا يستطيع في الظروف العادية اختراق الغشاء المحيط بالبكتيريا. وبالتالي، يمكن الاستنتاج أن الأنابيب النانوية تسمح بمرور المواد بين الخلايا. ويمكن اعتبار ذلك بمثابة اتصال بين محتويات خلايا البكتيريا المتصلة ببعضها البعض بواسطة الأنابيب النانوية.
المنفعة المتبادلة
تحتوي بكتيريا البروكلوروكوكس على مادة وراثية ضئيلة جدًا، لذا لا يمكنها إنتاج جميع العناصر الغذائية التي تحتاجها بنفسها. ومع ذلك، يزدهر الكثير منها حتى في الأماكن التي يقل فيها الغذاء، بفضل مجموعة من التكيفات التي طورتها على مر الأجيال، والتي تُمكّنها من امتصاص العناصر الغذائية من البيئة بكفاءة عالية. ومن الأمثلة على ذلك:استخدامات الأسواط من قبل بعض البكتيريا نوع من الذيل يسمح لها بالتنقل عبر الماء إلى أماكن أغنى بالطعام. ومن الأمثلة الأخرى على هذا التكيف: تكافل (التكافل) مع أنواع أخرى، مما يسمح للبكتيريا بالحصول من البكتيريا الأجنبية على المواد اللازمة لوظائفها.
تشير بعض الدراسات إلى أن البكتيريا الزرقاء والبكتيريا غيرية التغذية تعتمدان على بعضهما البعض من الناحية الأيضية، حيث تزود كل منهما الأخرى بالمغذيات، لذا لا ينبغي اعتبارهما كيانين منفصلين تمامًا. لذلك، قد يكون لوجود الأنابيب النانوية واستخدامها لنقل المحتوى بين خلايا البكتيريا المختلفة أهمية بيئية وتطورية واسعة النطاق لفهمنا للحياة البكتيرية في البحار والمحيطات. وهناك فرضية أخرى مفادها أن الأنابيب النانوية تزيد من مساحة سطح الخلايا الصغيرة، مما يزيد من امتصاص المواد من البيئة.
تشير النتائج إلى أن المجتمعات البكتيرية ليست مجرد مجموعة من الأنواع الغريبة، بل هي شبكة تعاونية يُشكل فيها التمثيل الغذائي بين الأفراد جزءًا لا يتجزأ. يُوسّع هذا الاكتشاف فهمنا لكيفية عمل النظم البيئية وحيدة الخلية، ويُقدم رؤى جديدة حول الحياة في المحيط.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: