تحديد مئات الجينات الأساسية لتطور خلايا الدماغ باستخدام تقنية كريسبر، وتحديد متلازمة جديدة لدى الأطفال

حدد فريق دولي من الباحثين، بمن فيهم باحثون من الجامعة العبرية، 331 جينًا بالغ الأهمية لتكوين الخلايا العصبية، وأشاروا إلى جين PEDS1 باعتباره سببًا لاضطراب النمو العصبي.

تُشكّل الخلايا العصبية المُستنبتة من الخلايا الجذعية في المختبر شبكةً مترابطة. في هذه الدراسة، استخدم الباحثون تقنية كريسبر لتعطيل الجينات في الخلايا الجذعية، ثم راقبوا مدى نجاح تطوّر هذه الخلايا إلى خلايا عصبية. مقياس الرسم: ١٠٠ ميكرومتر.
تُشكّل الخلايا العصبية المُستنبتة من الخلايا الجذعية في المختبر شبكةً مترابطة. في هذه الدراسة، استخدم الباحثون تقنية كريسبر لتعطيل الجينات في الخلايا الجذعية، ثم راقبوا مدى نجاح تطوّر هذه الخلايا إلى خلايا عصبية. مقياس الرسم: ١٠٠ ميكرومتر.

تنتج اضطرابات النمو العصبي (مثل تأخر النمو، وبعض حالات اضطرابات طيف التوحد، وصغر الرأس) غالبًا عن خلل يحدث في مراحل مبكرة جدًا من عملية تمايز الخلايا الجذعية الجنينية إلى خلايا عصبية. ومع ذلك، ثمة تحدٍ علمي كبير: فالجهاز العصبي يتكون من مسارات متعددة، وتداخلات وظيفية، وتوقيتات نمو معقدة، ولم يتم بعد تحديد العديد من الجينات المشاركة في هذه العمليات. علاوة على ذلك، حتى عند تحديد "جين مشتبه به" في الاختبارات الجينية، يصعب إثبات أنه هو المسؤول فعليًا عن النمط الظاهري، وأنه ليس مجرد اكتشاف عرضي.

في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Neuroscience، يقترح فريق بحث دولي بقيادة البروفيسور ساغيف شيفمان من معهد علوم الحياة في الجامعة العبرية في القدس، بالتعاون مع البروفيسور بيناز يلتشين من المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية في فرنسا، نهجًا نظاميًا: بدلاً من البحث عن جين واحد في كل مرة، يتم رسم خريطة منهجية للجينات التي يعد وجودها ضروريًا للخلايا الجذعية لتخضع بنجاح لمسار التمايز العصبي.

منهجية البحث: فحص واسع النطاق بتقنية كريسبر

أجرى فريق بحثي، يضم باحثين من إسرائيل وفرنسا واليابان، فحصًا بتقنية كريسبر على نطاق غير مسبوق، حيث قاموا بتعطيل حوالي 20,000 جين في الخلايا الجذعية الجنينية للفئران، ثم راقبوا قدرتها على التمايز إلى خلايا عصبية وظيفية. وقد مكّن هذا من تحديد الجينات التي تُعطّل هذه العملية بدقة، وتحديد المراحل التي يحدث فيها التعطيل. وكانت النتيجة الرئيسية هي تحديد 331 جينًا تبين أنها ضرورية لتكوين الخلايا العصبية، والعديد منها لم يكن مرتبطًا سابقًا بشكل مباشر بالتمايز العصبي.

النمط السائد مقابل النمط المتنحي: نظرة آلية

من بين الأفكار العلمية المثيرة للاهتمام أن الجينات المرتبطة بالاضطرابات الوراثية السائدة (حيث تكفي نسخة واحدة معيبة لظهور المرض) تميل إلى أن تكون غنية بالأدوار التنظيمية النسخية، أي الأدوار التي "تدير" البرامج الجينية في الخلية. في المقابل، تميل الجينات المرتبطة بالاضطرابات المتنحية (التي تتطلب نسختين معيبتين) إلى أن تكون متورطة في المسارات الأيضية. ورغم أن هذا التقسيم لا يحل التعقيد الكامل، إلا أنه يوفر إطارًا مفاهيميًا: فعند اكتشاف طفرة جديدة في اختبار سريري، يمكن التساؤل عما إذا كانت تندرج ضمن فئة "الإدارة" أو "الأيضية"، وماذا يشير ذلك إلى الآلية الفيزيولوجية المرضية.

من المختبر إلى العيادة: قصة PEDS1

تُعدّ أبرز نتائج هذه الدراسة تحديد دور جديد لجين PEDS1، الذي يُشارك في إنتاج البلازمالوجينات، وهي دهون خاصة في أغشية الخلايا معروفة بأهميتها البالغة في الجهاز العصبي والميالين. وقد وجد الباحثون، من خلال الفحص، أن جين PEDS1 يلعب دورًا هامًا في تكوين الخلايا العصبية، وأن فقدانه يؤدي إلى صغر حجم الدماغ.

ومن ثم، انتقل الباحثون إلى المرحلة السريرية: البحث عن طفرات في جين PEDS1 لدى العائلات، وتحديد طفرة نادرة في هذا الجين لدى عائلتين غير مرتبطتين، لدى طفلين يعانيان من اضطراب نمائي حاد يتميز بتأخر النمو وصغر حجم الدماغ. ولتعزيز العلاقة السببية، قام الباحثون بتعطيل جين PEDS1 في نماذج تجريبية. وأكدت التجارب أن جين PEDS1 ضروري لنمو الدماغ الطبيعي، بما في ذلك تكوين الخلايا العصبية وهجرتها، وهي نتائج قد تفسر السمات السريرية الملاحظة لدى الأطفال المصابين.

يوضح البروفيسور ساغيف شيفمان من كلية الرياضيات والعلوم الطبيعية بالجامعة العبرية: "من خلال مراقبة تمايز الخلايا الجذعية الجنينية إلى خلايا عصبية، وتعطيل جميع الجينات تقريبًا في الجينوم بشكل منهجي، أنشأنا خريطة للجينات الأساسية لنمو الدماغ. يمكن لهذه الخريطة أن تساعدنا على فهم كيفية نمو الدماغ بشكل أفضل، وتحديد الجينات المرتبطة باضطرابات النمو العصبي التي لم تُكتشف بعد. إن تحديد جين PEDS1 كسبب وراثي للإعاقة النمائية لدى الأطفال، وتوضيح دوره، يفتح الباب أمام تحسين التشخيص والاستشارة الوراثية للأسر، وقد يدعم في نهاية المطاف تطوير علاجات موجهة."

خريطة "الحيوية" للتمييز بين التوحد والتأخر النمائي

ساعدت خريطة "الضرورة" التي وضعها الفريق، والتي توضح متى تكون الجينات ضرورية أثناء النمو، في توضيح الاختلافات بين الآليات الكامنة وراء التوحد وتأخر النمو. فقد وُجد أن الجينات الضرورية بشكل عام ترتبط ارتباطًا أقوى بتأخر النمو، بينما ترتبط الجينات بالغة الأهمية تحديدًا خلال مراحل تكوين الخلايا العصبية ارتباطًا أقوى بالتوحد. وتساعد هذه النتيجة في تفسير كيف يمكن أن تؤدي الاضطرابات في مسارات مختلفة إلى أعراض متداخلة.

فريق البحث وإتاحة العلوم

وشمل البحث مساهمات من البروفيسورة تمار هاريل، والدكتورة غاليا موندرير-روتكوف، وألانا أملان، وأوهاد سليم، وإيلاد دفير من الجامعة العبرية، بالإضافة إلى التعاون مع باحثين من فرنسا واليابان.

أتاح الباحثون نتائج البحث عبر إطلاق قاعدة بيانات مفتوحة على الإنترنت تتضمن النتائج الكاملة لفحص تقنية كريسبر. ونسب البروفيسور شيفمان هذه المبادرة إلى طالبة الدكتوراه ألينا أملان، قائلاً: "أردنا أن تخدم نتائجنا المجتمع العلمي بأكمله".

القيود واعتبارات التفسير

ينبغي التذكير بأن هذا نظام نموذجي (الخلايا الجذعية والتمايز في المختبر، وفحص على الفئران). الدماغ البشري أكثر تعقيدًا، ويشمل عمليات تنظيم الأنسجة وفترات نمو طويلة لا تُحاكى بالكامل في هذه النماذج. لذا، يجب توخي الحذر عند تطبيق هذه النتائج في الممارسة السريرية. مع ذلك، تُشكل المنهجية نفسها "فحص واسع النطاق ← قائمة الجينات المرشحة ← الترتيب حسب الوظيفة ← التحقق السريري" نموذجًا يُمكن أن يُسرّع اكتشاف أسباب وراثية جديدة لاضطرابات النمو العصبي.

للمادة العلمية

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

تعليقات 2

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.