يقترح البروفيسور أرييل تشيبمان من الجامعة العبرية أن الدماغ المعقد تطور في وقت مبكر استجابة للبيئات البحرية المزدحمة والتنافسية، مما ساعد على تمهيد الطريق للتنوع الكبير للحيوانات.
ما الذي أدى إلى الظهور السريع على ما يبدو لمجموعة هائلة من الحيوانات المعقدة قبل أكثر من 500 مليون سنة؟ على مدى عقود، حاول باحثو التطور تفسير أحد أعظم ألغاز تاريخ الحياة: الانفجار الكامبري، وهي فترة يُظهر فيها السجل الأحفوري تنوعًا حيوانيًا أكبر من أي وقت مضى. تشير أبحاث نظرية جديدة أجراها البروفيسور أرييل تشيبمان من الجامعة العبرية إلى تغيير في المنظور: لم يكن بالضرورة الدرع أو الأرجل أو الأطراف هي نقطة التحول الأولى، بل الدماغ.
في مقال نُشر في مجلة BioEssays، يُقدّم تشيبمان "فرضية الدماغ أولاً". ووفقًا لهذا الإطار الجديد، لم يكن الانفجار الكامبري حدثًا مفاجئًا واحدًا، بل عملية تدريجية متعددة المراحل. فمع ازدياد كثافة البيئات البحرية وتعقيدها وتنافسيتها، بات لزامًا على الحيوانات استيعاب المزيد من المعلومات من البيئة، ومعالجتها بسرعة، والاستجابة للمفترسات، وتحديد مواقع الفرائس، والتكيف مع بيئة متغيرة. وتُشير الفرضية إلى أن هذه الضغوط شجعت على تطور أنظمة عصبية أكثر تعقيدًا، ولا سيما دماغ ذو مناطق متخصصة.
من البيئة إلى الجهاز العصبي
تتمحور حجة تشيبمان الرئيسية حول فكرة أن ازدياد التعقيد البيئي أدى إلى ازدياد الحاجة إلى معالجة المعلومات. ففي بحر قديم ازداد فيه عدد الأنواع، وأصبحت علاقات المفترس بالفريسة أكثر تعقيدًا، وبدأت الكائنات الحية باستغلال طبقات مختلفة من البيئة الحية، مُنحت الحيوانات التي استطاعت استشعار بيئتها بشكل أفضل والاستجابة لها بطرق متطورة ميزة واضحة. وبهذا المعنى، لم يكن الدماغ مجرد نتاج لجسم معقد، بل ربما كان أحد الشروط التي سمحت بظهور أجسام أكثر تعقيدًا.
بدلاً من اعتبار الدماغ إضافة متأخرة إلى بنية الجسم المتطورة، تقترح هذه الفرضية أن توسع الدماغ وتقسيمه إلى مناطق وظيفية ظهر في وقت مبكر نسبياً في بعض السلالات الحيوانية. ثم استُخدمت الآليات الجينية نفسها التي سمحت بتنظيم جهاز عصبي معقد لبناء أجهزة أخرى في الجسم.
هنا يبرز مبدأ هام في علم الأحياء النمائي: وهو إعادة توظيف آلية موجودة لغرض جديد. ووفقًا لتشيبمان، فإن "المجموعة الجينية" التي ساهمت في تشكيل الدماغ والجهاز العصبي لم تقتصر على الأنسجة العصبية فحسب، بل يمكن استخدام المسارات النمائية نفسها لاحقًا لتشكيل أعضاء وأجهزة إضافية، بما في ذلك أجهزة هضمية متخصصة، وأعضاء حسية متطورة، وبنى مجزأة.
ليس انفجارًا واحدًا، بل سلسلة من الخطوات
هذا يعني أن الانفجار الكامبري يُمكن فهمه لا كقفزة مفاجئة، بل كسلسلة من التطورات المترابطة. فقد تطلبت بيئة أكثر تعقيدًا جهازًا عصبيًا أكثر تطورًا، مما أتاح سلوكًا أكثر تعقيدًا. كما ساهمت الآليات الجينية التي تطورت لبناء الدماغ في بناء أجسام أكثر تنوعًا. وهكذا، نشأت دورة زادت من التنوع التطوري.
يوضح البروفيسور تشيبمان قائلاً: "بدلاً من التفكير في "انفجار" واحد، نحتاج إلى التفكير من منظور سلسلة من الخطوات المترابطة. فمع ازدياد تعقيد البيئات، احتاجت الحيوانات إلى طرق أفضل لمعالجة المعلومات. وقد جعل تطور الدماغ ذلك ممكناً، وبالتالي فتح الباب أمام تنوع أكبر في أشكال الجسم وأنماط الحياة."
لم يكن التأثير موحدًا في جميع أنحاء المملكة الحيوانية. ووفقًا للدراسة، كان هذا التأثير واضحًا بشكل خاص في المجموعات التي تتميز اليوم بتعقيد بنيوي عالٍ وتنوع واسع في الأنواع، مثل المفصليات والرخويات والديدان الحلقية وفطر الكورديسيبس. وهذه سلالات تطورت فيها أنظمة جسمية متطورة وحواس متطورة وأنماط معقدة من الحركة والسلوك عبر الزمن.
مع ذلك، يؤكد تشيبمان أن التعقيد ليس دائمًا ميزة تطورية. فالعديد من الكائنات الحية تحقق نجاحًا كبيرًا حتى مع هياكل جسمية بسيطة نسبيًا. ويعتمد النجاح التطوري على البيئة ونمط الحياة والتحديات الخاصة التي يواجهها كل كائن. لذا، لا تقترح هذه الفرضية مقياسًا يكون فيه "التعقيد" بالضرورة أفضل من "البساطة"، بل تشرح كيف يمكن للدماغ الأكثر تعقيدًا، في ظل ظروف بيئية معينة، أن يفتح آفاقًا تطورية جديدة.
اتجاه بحثي جديد في تطور الحيوانات
تكمن أهمية هذه الورقة البحثية في أنها تقدم طريقة جديدة لطرح السؤال القديم حول أصل التنوع الحيواني. فبدلاً من البحث عن عامل واحد، مثل ارتفاع مستويات الأكسجين، أو ظهور المفترسات، أو تطور الهياكل العظمية، أو أي تغير بيئي، يقترح الإطار الجديد النظر إلى الانفجار الكامبري كنتيجة لعدة عمليات تفاعلت فيما بينها.
تتمثل الخطوة التالية في اختبار هذه الفرضية باستخدام أدوات علم الوراثة، وعلم الأحياء النمائي، ودراسات الأحافير. إذا تبين أن الآليات الجينية المرتبطة بتنظيم الدماغ استُخدمت لاحقًا لبناء أجهزة أخرى في الجسم، فقد يُعزز ذلك فكرة أن تطور الجهاز العصبي لم يكن مجرد استجابة لعالم أكثر تعقيدًا، بل كان أيضًا محركًا أساسيًا في خلق التنوع الهائل للحيوانات.