اكتشف باحثون من معهد وايزمان للعلوم أن حركة البكتيريا من أنواع مختلفة تنتج أنماطًا هندسية مذهلة - نتيجة للحركة الجماعية التي تحدث في الطبيعة، وتنبع من خصائص السباحة المجهرية الفريدة.
أشعلت منطقة صحراوية في شمال المكسيك خيال أحد الأساتذة جويل ستيفنز، فيزيائي يدرس فيزياء العمليات البيولوجية، ويهتم بدراسة المجتمعات الميكروبية الطبيعية. درس بيئة مائية فريدة من نوعها، ذات ظروف مشابهة لتلك التي كانت سائدة على الأرض قبل حوالي 700 مليون سنة. تتميز هذه المنطقة، حوض كواترو ساينجيس (حرفيًا: المستنقعات الأربعة) في ولاية كواهويلا، بتنوع استثنائي من الكائنات الحية، بما في ذلك مجتمعات ميكروبية نادرة تزدهر في ظروف قاسية تُذكرنا بأرض عصر ما قبل الكمبري.
انضم البروفيسور ستيفنز والدكتورة رينات أربيل-غورين، وهي باحثة من مجموعته البحثية في قسم فيزياء الأنظمة المعقدة بمعهد وايزمان للعلوم، إلى بعثات بحثية نُظمت لجمع عينات من هذه المنطقة. لاحقًا، وبعد أن تم ترميمها مع بعض الأنواع القديمة في إسرائيل، انضم إليها أيضًا من المكسيك الدكتور أوسكار غاياردو-نافارو، عالم الأحياء الدقيقة المُلِم بالبيئة الفريدة.
في إحدى التجارب التي أجراها ضمن أبحاث ما بعد الدكتوراه في المعهد، فوجئ الدكتور غاياردو-نافارو باكتشافه أنه، حتى بعد محاولات متكررة، لم يتمكن من توزيع مزرعة البكتيريا النامية بالتساوي في وسط النمو. في كل مرة خلط المزرعة وفحصها تحت المجهر، تكوّنت بسرعة مناطق غائمة وأخرى ساطعة ذات أنماط مميزة لكل نوع من البكتيريا في الخليط البكتيري. لم يؤثر تكوين هذه الأنماط على العينات فحسب، بل على الدراسة بأكملها: في المقالنشرت مؤخرا في المجلة العلمية Nature Communicationsكشفت مجموعة البحث أن أنواعًا مختلفة من البكتيريا التي تسبح نحو الأكسجين تُنتج أنماطًا فريدة من التنظيم الذاتي. أي أن كل نوع من أنواع البكتيريا المدروسة أنشأ نمطًا مكانيًا فريدًا خاصًا به - بعضها أنشأ أنماطًا سداسية، بينما أنشأ البعض الآخر هياكل مستطيلة أو ملتوية. تُلقي هذه النتائج ضوءًا جديدًا على فهم الحركة الجماعية التي تحدث في مختلف الأنظمة الطبيعية - مثل أسراب الطيور والأسماك والنمل، وهي ذات صلة أيضًا بالبشر والروبوتات.
يوضح البروفيسور ستيفنز قائلاً: "الأنماط المذهلة التي لوحظت هي نتيجة عملية تُسمى الحمل الحراري الحيوي". "سواءً في بحيرة أو في مختبر، تسبح البكتيريا صعودًا نحو سطح الماء، نظرًا لارتفاع تركيز الأكسجين في الهواء، ولحاجتها إليه للبقاء على قيد الحياة. ومع ذلك، ولأن "البكتيريا أثقل من الماء" - أي أن كثافتها أعلى من كثافة الماء - فإنها تغوص إلى أسفل عند وصولها إلى السطح بفعل الجاذبية، مُحدثةً تيارات حمل حراري. في الواقع، هناك قوتان متعاكستان تعملان هنا - الجاذبية من جهة، وحاجة البكتيريا البيولوجية للأكسجين من جهة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، وكما في حلقة مفرغة، تستمر حياتها صعودًا وهبوطًا وتعزز نفسها من خلال تيارات الماء التي تنشأ."
الحمل الحراري الحيوي، بحد ذاته، ظاهرة معروفة في الأدبيات العلمية، لكن هذه الدراسة كشفت عن جانب جديد منه: وفرة هائلة من الأنماط التي تميز الأنواع المختلفة. يقول البروفيسور ستيفنز: "في الماضي، ركز الباحثون بشكل رئيسي على نماذج البكتيريا المزروعة في المختبرات، ولم يفكر أحد في دراسة متعمقة للأنماط الفريدة التي تميز السلوك الجماعي للبكتيريا من أنواع وسلالات مختلفة، والتي جُمعت من مجتمع واحد وتعيش معًا في الطبيعة".
مبدأ الفصل
بما أن الأنواع المختلفة جاءت من نفس الموطن والمجتمع، قلنا لأنفسنا: لمَ لا نخلطها في المختبر ونرى ما سيحدث؟ يقول الدكتور أربيل-غورين: "عند هذه النقطة، كانت بانتظارنا مفاجأة كبيرة - اكتشفنا أنها لا تختلط مع بعضها البعض، وتحافظ على انفصال مكاني في المزرعة". خلط العلماء بعناية أنواعًا مختلفة من البكتيريا بنسب متفاوتة، وشاهدوا بدهشة أنماطًا جديدة من الحمل الحراري الحيوي تظهر نتيجةً لدمج الأنماط الفريدة لكل نوع على حدة. ميّزوا الأنواع المختلفة بعلامات فلورية بألوان مختلفة، وتتبعوا بدقة متناهية موقع كل نوع داخل النمط المتغير اللوني المذهل الذي تم إنشاؤه.
لكن كيف ولماذا يحدث هذا الانفصال المكاني بين الأنواع؟ خلص الباحثون إلى أنه لا ينبع من تفاعلات بيولوجية من التجاذب أو التنافر بين البكتيريا؛ فطالما لم يحدث الحمل الحراري الحيوي، لم تكن هناك أي علامة على الانفصال المكاني. كما لم يتمكنوا من تفسيره بالاختلافات المورفولوجية بين مختلف البكتيريا التي درسوها. افترضوا أن هذه الظاهرة قد تنبع من الخصائص الفريدة لحركة البكتيريا المختلفة. لذلك، لجأوا إلى توصيف أنماط السباحة لمختلف الأنواع، واكتشفوا أن لكل نوع سرعة وتواترًا متوسطًا للتغيرات في الاتجاه خاصًا به. كلما زادت وضوح الاختلافات في خصائص السباحة بين نوعين من البكتيريا، زاد الانفصال المكاني الناتج في النهاية. ويُعجب البروفيسور ستيفنز قائلاً: "من المدهش أن نرى كيف تنعكس الاختلافات في الحركة على مقياس مجهري يبلغ حوالي 2 ميكرون في أنماط على مقياس أكبر بأكثر من 1,000 مرة".
يعتقد الباحثون أن هذا الانفصال نشأ أثناء التطور لتقليل التصادمات بين البكتيريا التي تسبح جنبًا إلى جنب، أو لتمكين كل نوع من تلبية احتياجاته على النحو الأمثل في البيئة المشتركة. وللنتائج الجديدة آثارٌ ليس فقط على الأنواع التي تعيش في جنة الميكروبات في المكسيك، بل على المجتمعات البكتيرية في جميع أنحاء العالم. علاوةً على ذلك، يوضح البروفيسور ستيفنز أن هذه النتائج قد تكون ذات صلة بمجال ما يُطلق عليه الفيزيائيون "المادة النشطة"، أي الحركة الجماعية الناتجة عن الحركة التلقائية لكل فرد في نظام ما، وتكوين السلوك الجماعي من نشاط الأفراد الذين لا يتواصلون بالضرورة مع بعضهم البعض.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: