بحث في مجلة نيتشر: لا تقتصر شبكة الاتصال الخفية في الدماغ على الخلايا العصبية فحسب، بل تشمل أيضًا الخلايا النجمية.

قام الباحثون برسم خرائط ثلاثية الأبعاد لشبكات الخلايا الداعمة في دماغ الفأر لأول مرة، وكشفوا عن روابط بعيدة المدى بين المناطق البعيدة وبين نصفي الكرة المخية.

صورة فلورية للخلايا النجمية - وهي خلايا داعمة تشبه النجوم في الدماغ - والتي تشير الأبحاث الجديدة إلى أنها تُشكّل شبكات اتصال مستقلة وواسعة النطاق. المصدر: depositphotos.com
صورة فلورية للخلايا النجمية - وهي خلايا داعمة تشبه النجوم في الدماغ - والتي تشير الأبحاث الجديدة إلى أنها تشكل شبكات اتصال مستقلة وواسعة النطاق. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

لطالما كانت الخلايا العصبية محور أبحاث الدماغ، بينما نُظر إلى الخلايا النجمية - وهي خلايا داعمة على شكل نجمة تملأ الفراغات بين الخلايا العصبية - على أنها قوى مساعدة في المقام الأول. والآن، يقدم الباحثون نتائج تتحدى هذا التصور: فالخلايا النجمية في دماغ الفأر لا تعمل محليًا فحسب، بل تُشكل شبكات واسعة تربط مناطق متباعدة من الدماغ، وحتى بين نصفي الكرة المخية.

تضمنت الدراسة، المنشورة في مجلة Nature، إنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد كاملة لشبكات الخلايا النجمية في الدماغ، وهي الأولى من نوعها، بحسب الباحثين. تُظهر الخريطة أن الخلايا النجمية متصلة ببعضها البعض عبر عُقد اتصال دقيقة تُسمى الوصلات الفجوية، والتي تسمح بمرور جزيئات مثل الكالسيوم والجلوكوز بين الخلايا المتجاورة. على الرغم من أن كل خلية نجمية لا تمتلك امتدادات طويلة مثل محاور الخلايا العصبية، إلا أن سلاسل الخلايا المتصلة تُشكل "خطوط اتصال" تمتد لمسافات كبيرة في مخيخ الفأر.

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في جانبين. أولًا، يُظهر وجود نظام اتصال آخر أكثر خفاءً في الدماغ، يعتمد على الخلايا الدبقية، إلى جانب الشبكات العصبية المعروفة. ثانيًا، يُثير هذا الاكتشاف احتمال أن الخلايا النجمية لا تقتصر وظيفتها على تنظيف "النفايات" الكيميائية وتوفير المغذيات للخلايا العصبية، بل تُشارك أيضًا في نقل المعلومات، وتنسيق عمليات الأيض، وربما حتى في تشكيل نشاط الدماغ على نطاق واسع. وصف أحد مؤلفي المقال هذا النظام بأنه "نوع من مترو الأنفاق السري" الذي يعمل في الدماغ باستمرار، لكننا لم نكن على دراية بوجوده حتى الآن.

للكشف عن هذه الشبكات، حقن الباحثون مناطق محددة من أدمغة الفئران بنظام جيني يسمح للخلايا النجمية بـ"وسم" الجزيئات التي تمر عبر نقاط الالتقاء بينها. وقد مكّن هذا من تتبع جميع الخلايا النجمية المتصلة بشبكة تنشأ في منطقة معينة. أدهشت النتائج الباحثين: فإلى جانب الشبكات المحلية الصغيرة داخل منطقة دماغية محددة، وُجدت أيضًا روابط تعبر مناطق مختلفة، وتمتد لسنتيمترات، وتصل إلى جذع الدماغ، بل وتربط نصفي الكرة المخية.

أظهرت الدراسة أيضًا أن شبكات الخلايا النجمية ليست ثابتة وجامدة. فعندما قام الباحثون بإحداث حرمان حسي لدى الفئران عن طريق قص شواربها - وهو نموذج شائع لدراسة مرونة الدماغ - وجدوا أن شبكات الخلايا النجمية تتغير وتُعاد بناؤها. أي أن نظام الخلايا النجمية، على غرار الشبكات العصبية، يستجيب للتغيرات في المدخلات الحسية ويعيد تنظيم نفسه. هذه النتيجة تُعزز الفرضية القائلة بأن هذه الخلايا تلعب دورًا فعالًا في مرونة الدماغ، وليس مجرد دور صيانة.

وظيفة مسارات الخلايا النجمية غير واضحة.

لا تزال الوظيفة الدقيقة لهذه "المسارات الخلوية النجمية" غير واضحة. إحدى الفرضيات التي طرحها الباحثون هي أن هذه الشبكات تعمل على نقل نواتج الأيض من المناطق الأقل نشاطًا إلى المناطق الأكثر نشاطًا، مما يساعد على موازنة استهلاك الطاقة في الدماغ. ويعتقد باحثون آخرون أن هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا أوسع لفهم كيفية "استماع" الخلايا النجمية للنشاط العصبي، ومعالجته، وتأثيرها على الخلايا العصبية. إذا صحّ ذلك، فقد يعمل الدماغ باستخدام طبقتين متكاملتين من التواصل: طبقة عصبية سريعة وكهربائية، وطبقة دبقية كيميائية ومكانية.

قد يكون لهذه النتائج آثارٌ على دراسة الأمراض العصبية والنفسية. فإذا كانت الخلايا النجمية تربط مناطق متباعدة من الدماغ وتشارك في مرونة الدماغ، فإن تعطيل هذه الشبكات قد يلعب دورًا في الأمراض التي يضعف فيها التواصل بين مناطق الدماغ. في هذه المرحلة، لا يزال هذا البحث أساسيًا ويُجرى على الفئران، ويؤكد الباحثون أن الأسئلة لا تزال أكثر من الإجابات. مع ذلك، قدّر أحد الباحثين أن هذا المبدأ العام ينطبق على الأرجح على حيوانات أخرى، بما فيها الرئيسيات.

خلاصة القول أن هذه الدراسة تُذكّرنا بأن الدماغ أكثر بكثير من مجرد الصورة النمطية للخلايا العصبية. فالخلايا النجمية، التي طالما اعتُبرت "عناصر ثانوية"، تبرز الآن كجزء من نظام تواصل واسع وديناميكي ومتغير باستمرار. وإذا ما ثبتت صحة هذه النتائج في أدمغة أكثر تعقيدًا، فقد نضطر إلى إعادة النظر في بعض جوانب فهمنا لكيفية تنظيم الدماغ، ومن يشارك فعليًا في الحوار الداخلي المستمر الذي يدور داخله.

لهذه المادة في الطبيعة

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.