لم تدمر الكويكبات عوالم بأكملها فحسب، بل ربما ساهمت أيضًا في نشأة الحياة على الأرض.

تشير مراجعة علمية جديدة إلى أن الفوهات الناتجة عن اصطدامات النيازك القديمة قد خلقت أنظمة حرارية مائية غنية بالمعادن ربما كانت بمثابة مهد لتطور الكيمياء ما قبل البيولوجية.

اصطدام كويكب بالأرض. صورة توضيحية: depositphotos.com
اصطدم كويكب بالأرض. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

تقترح دراسة مراجعة جديدة نظرة متجددة على أحد أهم الأسئلة في العلوم: أين وكيف بدأت الحياة على الأرض؟ لعقود، ركز الباحثون بشكل أساسي على الفتحات الحرارية المائية في أعماق المحيطات باعتبارها المرشح الأبرز لنشأة الحياة، وذلك بفضل الظروف الكيميائية الفريدة التي توفرها. والآن، ظهر احتمال آخر: اصطدامات الكويكبات والنيازك بالأرض في بداياتها ربما تكون قد خلقت أنظمة حرارية مائية مماثلة، وربما شكلت بيئة مركزية للكيمياء ما قبل البيولوجية التي أدت إلى ظهور الحياة.

نُشرت المراجعة في المجلة مجلة العلوم والهندسة البحريةكتبه شيا إم. سينكيماني من جامعة روتجرز، بالاشتراك مع عالم المحيطات ريتشارد لوتز. يستكشف هذا البحث فكرة أن الحرارة الشديدة المنبعثة من اصطدام كويكب تُذيب الصخور، ثم مع تبريد الفوهة وامتلاءها بالماء، يتشكل نظام ساخن غني بالمعادن، وهو نظام يشبه في نواحٍ عديدة الفتحات الحرارية المائية المألوفة في قاع البحر. في ظل هذه الظروف، قد تحدث سلسلة من تفاعلات الطاقة، وتفاعلات كيميائية معقدة، وتركيزات للمواد الأساسية، وهي ظروف واعدة لنشأة الحياة.

لا يكمن الابتكار الرئيسي في هذه الدراسة في رفض النظرية الراسخة حول الفتحات الحرارية في أعماق البحار، بل في توسيع نطاقها. فقد أظهرت الفتحات الحرارية المائية التي اكتُشفت في أواخر سبعينيات القرن الماضي أن الحياة يمكن أن تزدهر دون ضوء الشمس، معتمدةً على التخليق الكيميائي بدلاً من التخليق الضوئي. وتستمد الكائنات الدقيقة هناك الطاقة الكيميائية من مواد مثل كبريتيد الهيدروجين في بيئات حارة غنية بالمعادن. ووفقًا للمراجعة الجديدة، فإن الأنظمة التي تشكلت بفعل اصطدامات الكويكبات ربما وفرت ظروفًا مشابهة للغاية، وربما كانت شائعة بشكل خاص على الأرض في بداياتها، عندما كانت هذه الاصطدامات أكثر شيوعًا بكثير مما هي عليه اليوم.

ثلاثة مواقع للتأثير

ولتدعيم هذا الطرح، تتناول الدراسة ثلاثة مواقع اصطدام نيزكي من فترات مختلفة في تاريخ الأرض: فوهة تشيكسولوب في المكسيك، التي تشكلت قبل حوالي 65 مليون سنة؛ وفوهة هوتون في القطب الشمالي الكندي، التي يبلغ عمرها حوالي 31 مليون سنة؛ وبحيرة لونار في الهند، التي تشكلت قبل حوالي 50 ألف سنة ولا تزال تحتوي على الماء. ووفقًا للباحثين، قد تبقى هذه الأنظمة الحرارية المائية نشطة لآلاف إلى عشرات آلاف السنين، وهي فترة زمنية قد تكون كافية لتحول المركبات البسيطة إلى مركبات تخضع لعمليات كيميائية أكثر تعقيدًا، وصولًا إلى ظهور المكونات الأولية للحياة.

لهذه الفكرة آثارٌ واسعة النطاق في علم الأحياء الفلكي. فإذا كانت البيئات التي تُنشئها اصطدامات الكويكبات قادرةً بالفعل على تعزيز التفاعلات الكيميائية ما قبل البيولوجية، فإن البحث عن حياة خارج كوكب الأرض لا ينبغي أن يقتصر على المحيطات الجوفية أو الفوهات البركانية. وتشير الدراسة إلى أن النشاط الحراري المائي قد يكون موجودًا أيضًا تحت الصفائح الجليدية لأوروبا وإنسيلادوس، وربما كان موجودًا أيضًا في فوهات الاصطدام القديمة على سطح المريخ. بعبارة أخرى، ما كان يُنظر إليه في السابق على أنه حدثٌ مُدمّرٌ بحت، قد يتبين أنه آليةٌ تُهيئ فرصًا للحياة.

يدرس العلماء الذين يبحثون عن أصول الحياة على الأرض الفتحات الحرارية المائية بجميع أنواعها، بدءًا من تلك الموجودة في أعماق المحيطات وصولًا إلى تلك التي تشكلت بفعل اصطدامات النيازك. حقوق الصورة: ريتشارد لوتز/جامعة روتجرز
يدرس العلماء الذين يبحثون عن أصول الحياة على الأرض الفتحات الحرارية المائية بجميع أنواعها، بدءًا من تلك الموجودة في أعماق المحيطات وصولًا إلى تلك التي تشكلت بفعل اصطدامات النيازك. حقوق الصورة: ريتشارد لوتز/جامعة روتجرز

تجدر الإشارة إلى أن هذه المقالة استعراضية وليست دراسة تجريبية تُثبت بدقة مكان نشأة الحياة. مع ذلك، تكمن أهميتها في توسيع نطاق الاحتمالات العلمية، وتأكيدها على أن الأرض القديمة كانت على الأرجح مختبرًا طبيعيًا أغنى بكثير مما كان يُعتقد. قد لا يكمن جواب سؤال أصل الحياة في موقع واحد، بل في مزيج من أنواع متعددة من البيئات الجيولوجية والكيميائية، بما في ذلك البحيرات المعدنية الساخنة التي تشكلت في قلب فوهات النيازك القديمة.

المصدر: SciTechDaily استنادًا إلى إعلان جامعة روتجرز والمقال: "أنظمة الفتحات الحرارية المائية في أعماق البحار وأنظمة الفتحات الحرارية المائية الناتجة عن الاصطدام: رؤى حول أصل الحياة"، بقلم شيا إم. سينكيماني وريتشارد أ. لوتز. DOI: 10.3390/jmse14050486

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.