قام الباحثون بتحليل النظائر المستقرة للكربون والنيتروجين في عينات من الكويكب بينو. النظائر هي ذرات لنفس العنصر تختلف في عدد النيوترونات. وتُعدّ النسب بينها بمثابة "بصمة" كيميائية، إذ تُشير إلى ما إذا كان الجزيء قد تشكّل في الماء السائل أو الجليد أو غيرها من الظروف.
لسنوات، سعى العلماء إلى إيجاد إجابة لسؤال يبدو بسيطاً: أين تشكلت الجزيئات العضوية الأساسية قبل أن تبدأ الحياة على الأرض؟
تُعدّ عائلة الأحماض الأمينية، وهي اللبنات الأساسية للبروتينات، من أبرز المرشحين. والآن، يُقدّم تحليل جديد لعينات من الكويكبات التي عادت إلى الأرض لمحة مباشرة عن كيمياء النظام الشمسي المبكر، بدلاً من الاعتماد على أدلة غير مباشرة من النيازك التي سقطت هنا منذ زمن بعيد.
جُمعت العينات من كويكب قريب من الأرض يُدعى بينو. وصلت هذه العينات إلى الأرض عام ٢٠٢٣، وخضعت للاختبار باستخدام أساليب قياس بالغة الحساسية. وتكمن ميزة هذه العينات في أنها محفوظة بشكل أفضل من النيازك، إذ تُجمع وتُغلق في ظروف أكثر تحكمًا. وهذا يقلل من احتمالية تأثير التلوث أو التغيرات البيئية على الأرض على النتائج.
ما الذي وجدوه في العينة، وما الذي كان "غير عادي" بشكل خاص؟
لم تقتصر الدراسة على تحديد الأحماض الأمينية الموجودة فحسب، بل تناولت أيضًا كيفية تكوّنها. وللوصول إلى الإجابة، قام الباحثون بتحليل النظائر المستقرة للكربون والنيتروجين. النظائر هي ذرات لنفس العنصر، تختلف في عدد النيوترونات. وتُعدّ نسبتها بمثابة "بصمة" كيميائية، إذ تُشير إلى ما إذا كان الجزيء قد تكوّن في الماء السائل، أو الجليد، أو غيرها من الظروف.
من بين أمور أخرى، تم قياس البصمات النظيرية للجليسين، وهو أبسط الأحماض الأمينية. يُعدّ هذا القياس بالغ الصعوبة، خاصةً عندما تكون الكميات ضئيلة. وهنا، اتُخذت خطوة إضافية. لم يكتفِ الباحثون بقياس "متوسط" للجزيء، بل درسوا أيضًا الأنماط داخله، أي كيفية توزيع نظائر الكربون بين أجزائه المختلفة. أظهرت المقارنة مع نيزك مورشيسون الشهير بصمات مختلفة. هذا يعني أن الجليسين في العينات والجليسين في النيزك لم يتكوّنا بالضرورة عبر المسار الكيميائي نفسه.
أشارت بعض البيانات إلى وجود تركيز عالٍ جدًا من النيتروجين "الثقيل" في بعض الأحماض الأمينية. قد يتوافق هذا التركيز مع التفاعلات التي تحدث في بيئة شديدة البرودة، حيث يلعب الجليد والإشعاع والعمليات المتطرفة دورًا رئيسيًا. وقد رجّح الباحثون أن بعض المواد العضوية على الأقل قد تشكلت في ظل ظروف جليدية في النظام الشمسي المبكر، وليس فقط في ظل ظروف دافئة حيث كان الماء سائلًا، كما يُصوَّر أحيانًا.
لماذا هذا مهم، وما الذي لا يزال غير واضح؟
إذا أمكن تكوين لبنات الحياة الأساسية حتى في البرد القارس، فإن ذلك يوسع بشكل كبير "خريطة الاحتمالات" في النظام الشمسي وما وراءه. وهذا يعني أن وجود بيئة تحتوي على ماء سائل مستقر ليس شرطًا أساسيًا لوجود كيمياء ما قبل الحياة الغنية. يتوافق هذا السيناريو مع فكرة أن المواد العضوية ربما تكونت بعيدًا عن الشمس، وحُفظت في الجليد، ثم وصلت لاحقًا إلى المناطق الداخلية، بما في ذلك الأرض الفتية.
مع ذلك، تُبرز الدراسة أيضًا مدى التعقيد. ففي بعض الجزيئات، وُجدت اختلافات نظائرية بين صورتين متطابقتين كيميائيًا، وهو أمر غير بديهي. أي أنه حتى عند استخدام الصيغة الكيميائية نفسها، قد يحمل التركيب "اليميني" والتركيب "اليساري" بصمات مختلفة. هذا لغزٌ يُشير إلى تاريخ كيميائي عريق، وربما إلى مزيج من أكثر من مسار تكوين.
خلاصة القول أن العينات تُقدّم دليلاً مباشراً على أن التركيب الكيميائي للنظام الشمسي المبكر كان أكثر تنوعاً مما كان يُعتقد سابقاً. فقد تكونت الأحماض الأمينية من خلال مزيج من العمليات: بعضها في الماء، وبعضها في الجليد، وبعضها الآخر في مرحلة انتقالية بينهما. وفي الأبحاث المستقبلية، سيتم توسيع نطاق القياسات لتشمل جزيئات إضافية، وستُبذل محاولة لإعادة إنشاء مسارات محتملة في المختبر في ظل ظروف باردة وإشعاعية مماثلة لتلك التي سادت "البيئة البدائية" خارج خط الثلج.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: