الحمض النووي الذي يعود تاريخه إلى 7,000 عام يغير قصة الثورة النيوليثية في شمال إفريقيا

تُظهر الدراسات الجينية والأثرية أن الانتقال إلى الزراعة في المغرب العربي نتج عن لقاءات بين الصيادين وجامعي الثمار المحليين، والمزارعين القادمين من أوروبا، والرعاة الذين قدموا من الصحراء الشرقية.

عائلة بربرية من مراكش، المغرب. صورة توضيحية: depositphotos.com
عائلة بربرية من مراكش، المغرب. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

تُعتبر الثورة الزراعية إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ البشرية. فقبل نحو عشرة آلاف عام، بدأت المجتمعات البشرية في مختلف أنحاء العالم بالتحول تدريجياً من الصيد وجمع الثمار والحياة البدوية إلى الزراعة وتدجين الحيوانات وإنتاج الغذاء وإنشاء مستوطنات دائمة. وقد مهد هذا التحول الطريق لتطور القرى والمدن والمجتمعات المعقدة والبنى الاجتماعية الجديدة.

لكن الأبحاث الأثرية في العقود الأخيرة تُظهر أنه لم تكن هناك "ثورة العصر الحجري الحديث" واحدة. فقد حدث الانتقال إلى الزراعة بوتيرة مختلفة، وبطرق متباينة، ومن خلال مزيج من الهجرة وتبادل المعرفة والتكيف المحلي. وفي شمال أفريقيا، وخاصة في منطقة المغرب العربي، كان السؤال المحوري هو ما إذا كانت الزراعة قد تطورت من داخل المجتمعات المحلية، أم أنها جاءت من الخارج مع جماعات مهاجرة.

تُقدّم دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر" صورةً أكثر تعقيدًا. تشير النتائج إلى أن تطور الزراعة في المغرب العربي بين عامي 5500 و4500 قبل الميلاد لم ينشأ من مصدر واحد، بل تشكّل من خلال تفاعلات متكررة بين الصيادين وجامعي الثمار المحليين من أفريقيا، والمزارعين الأوائل من أوروبا، والرعاة من الهلال الخصيب وشرق الصحراء الكبرى. لم تُغيّر هذه التفاعلات الاقتصاد ونمط الحياة فحسب، بل غيّرت أيضًا التركيبة الجينية لسكان شمال أفريقيا.

قام الباحثون بتحليل الحمض النووي القديم لبقايا بشرية عُثر عليها في ثلاثة مواقع بالمغرب: كهف كاف تحط الغار قرب تطوان، وموقع إفري عمرو أو موسى في إقليم خميسات، وموقع الصخيرات-الروازي جنوب الرباط. وقد مكّنت النتائج الجينية من مقارنة مجموعات سكانية من فترات زمنية مختلفة، ودراسة كيفية تغير أصولها مع انتشار أنماط الحياة في العصر الحجري الحديث.

في موقع كاف تحط الغار، تم تحديد أفرادٍ ينحدرون من أصولٍ تعود إلى مزارعين أوروبيين وصلوا إلى المنطقة قبل حوالي 7,400 عام. في المقابل، في موقع إفري عمرو أو موسى، بعد عدة قرون، عُثر على أفرادٍ من أصولٍ محليةٍ بالكامل، على الرغم من أنهم كانوا يستخدمون الفخار والممارسات الزراعية. هذا يعني أن الجماعات المحلية لم تختفِ مع ظهور عاداتٍ جديدة، بل إن بعضها على الأقل تبنى تقنياتٍ وأفكارًا جديدة دون أن يفقد هويته الجينية المحلية.

في موقع الصخيرات-الروازي، الذي يعود تاريخه إلى حوالي ألف عام، تتغير الصورة مرة أخرى. هناك، تشير الجينومات إلى مساهمة جينية من جماعات رعوية ترتبط أصولها بالهلال الخصيب. يعزز هذا الاكتشاف الأدلة الأثرية المبكرة التي تشير إلى أن الجماعات الرعوية هاجرت غربًا عبر شمال إفريقيا، حاملةً معها تقاليد مادية جديدة، وأنماط معيشية، ومكونات جينية.

تُبرز الدراسة أن المغرب العربي كان على صلة بالعوالم المحيطة به قبل فترات تاريخية أكثر شيوعًا، كالعصر الروماني أو انتشار الإسلام. فمنذ الألفية السادسة والخامسة قبل الميلاد، كانت هناك روابط بين ضفتي مضيق جبل طارق، نُقلت خلالها المعارف والتقنيات والتقاليد الثقافية، بل وحتى الجينات.

عبور من شبه الجزيرة الأيبيرية إلى شمال أفريقيا

قال رافائيل م. مارتينز من جامعة قرطبة إن هذه النتائج تُمثل نقطة تحول في فهم انتشار العصر الحجري الحديث في المنطقة. وأوضح أن الأدلة تُشير إلى اتجاه انتقالي واضح، يُرجح أنه من شبه الجزيرة الأيبيرية إلى شمال أفريقيا. وأضاف أن أقدم الفخار المختوم في المغرب ينتمي إلى تقاليد واسعة في غرب البحر الأبيض المتوسط، بينما يتميز فخار سيخيرات بطابع مختلف، إذ يُزين بنقوش تشبه الحبال، وهي نقوش تُنسب إلى جماعات من رعاة الصحراء الكبرى.

باحثٌ أثناء عمله. كشف تحليل الحمض النووي القديم من مواقع في المغرب عن مزيج من السكان المحليين والمزارعين الأوروبيين والرعاة من شرق الصحراء. حقوق الصورة: جامعة قرطبة
باحثٌ أثناء عمله. كشف تحليل الحمض النووي القديم من مواقع في المغرب عن مزيج من السكان المحليين والمزارعين الأوروبيين والرعاة من شرق الصحراء. حقوق الصورة: جامعة قرطبة

قال خوان كارلوس فيرا من جامعة هويلفا إن الأدلة الجينومية تؤكد ما سبق أن أشارت إليه الدراسات الأثرية. فقد أشارت اكتشافات سابقة لبذور الحبوب والبقوليات في مواقع من العصر الحجري الحديث في المغرب إلى عملية انتشار زراعي. وأضاف أن الحمض النووي القديم يُظهر الآن أن البشر أنفسهم وصلوا إلى المنطقة وتركوا بصمتهم الجينية.

بحسب كريستينا فالديوسيرا من جامعة بورغوس، إحدى قادة الدراسة، فإن فهم النتائج له آثار واسعة النطاق على تاريخ شمال إفريقيا. فقد تشكلت المجتمعات اللاحقة في المغرب العربي، بما في ذلك أسلاف البربر التاريخيين، الأمازيغ، بفعل ثلاثة مصادر رئيسية: الصيادون وجامعو الثمار الأفارقة، والمزارعون من العصر الحجري الحديث القادمون من أوروبا، والجماعات الرعوية التي هاجرت غربًا من الهلال الخصيب عبر سيناء وشمال إفريقيا.

أضافت دراسة أخرى نُشرت في مجلة Nature عام 2025 بُعدًا آخر من التعقيد. فبحسب الدراسة نفسها، لم يحدث الانتقال إلى العصر الحجري الحديث بنفس الطريقة في جميع أنحاء شمال إفريقيا. فبينما أظهر المغرب الغربي أدلة أقوى على الهجرة والاختلاط الجيني، أظهر المغرب الشرقي استمرارية جينية أعلى بين السكان المحليين، حتى مع تبنيهم بعض العادات والحيوانات والتقنيات التي كانت سائدة في العصر الحجري الحديث.

تقدم الدراستان معًا سردًا تاريخيًا أكثر ثراءً: لم تكن الزراعة في شمال إفريقيا نتاجًا لاستبدال بسيط لسكان بآخرين، ولم تكن اختراعًا مستقلًا تمامًا. بل كانت عملية إقليمية متغيرة، حيث اختارت المجتمعات المختلفة المعارف الخارجية، وتبنتها، ودمجتها، وكيّفتها مع احتياجاتها المحلية.


للدراسة الأولى DOI: 10.1038/s41586-023-06166-6

أما بالنسبة للدراسة الثانية DOI: 10.1038/s41586-025-08699-4

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.