يكشف الحمض النووي القديم أن التطور البشري لم يتوقف، بل استمر على مدى آلاف السنين الماضية.

حددت دراسة واسعة النطاق بقيادة باحثين من جامعة هارفارد مئات المتغيرات الجينية التي تغيرت تحت تأثير الانتقاء الطبيعي على مدى السنوات العشرة آلاف الماضية.

خريطة للمناطق التي جُمعت منها عينات الحمض النووي القديمة والحديثة في دراسة عن الانتقاء الطبيعي في غرب أوراسيا. المصدر: أكبري وآخرون، مجلة نيتشر، 2026
خريطة للمناطق التي جُمعت منها عينات الحمض النووي القديمة والحديثة في دراسة عن الانتقاء الطبيعي في غرب أوراسيا. المصدر: أكبري وآخرون، مجلة نيتشر، 2026

تُغيّر دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature الطريقة التي يفهم بها العلماء التطور البشري في الماضي القريب. لسنوات، كان من المقبول عمومًا أنه بعد مغادرة الإنسان الحديث لأفريقيا، وخاصة بعد إرساء الزراعة ونشوء المجتمعات المعقدة، استمر الانتقاء الطبيعي في العمل لدى البشر ولكن على نطاق محدود نسبيًا. تشير الدراسة الجديدة إلى صورة أكثر تعقيدًا: لم يتوقف التطور، بل إنه ترك في بعض النواحي علامات أوضح مما كان يُعتقد سابقًا.الطبيعة)

استندت الدراسة، التي قادها علي أكبري والبروفيسور ديفيد رايش من كلية الطب بجامعة هارفارد، إلى قاعدة بيانات ضخمة بشكل استثنائي للحمض النووي القديم من غرب أوراسيا، وهي منطقة تشمل أوروبا وأجزاء من الشرق الأدنى. جمع الباحثون معلومات جينية جديدة من 10,016 فردًا قديمًا مع آلاف الجينومات القديمة المنشورة سابقًا والعينات الحديثة. في المجمل، تم تحليل 15,836 جينومًا قديمًا وأكثر من 6,000 عينة حديثة لتتبع التغيرات في تواتر المتغيرات الجينية على مدى أكثر من 10,000 عام.hms.harvard.edu)

حتى الآن، لم تُحدد سوى حالات قليلة وواضحة نسبيًا للانتقاء الموجه لدى البشر، مثل انتشار القدرة على هضم الحليب في مرحلة البلوغ لدى بعض المجموعات السكانية. ويوضح الباحثون أن الصعوبة الرئيسية تكمن في التمييز بين الانتقاء الطبيعي الحقيقي والعمليات الأخرى التي تُغير ترددات الجينات، كالهجرة، واختلاط السكان، والبنية الاجتماعية، أو التقلبات العشوائية في المجموعات السكانية الصغيرة. وفي هذه الدراسة، طُوّرت أساليب حسابية لفصل هذه العوامل وتحديد الاتجاهات الثابتة عبر الزمن.

أسفرت الدراسة عن تحديد 479 متغيراً جينياً يبدو أنها تأثرت بالانتقاء الطبيعي في غرب أوراسيا. ووفقاً للباحثين، كان الانتقاء قوياً بشكل خاص بعد التحول إلى الزراعة، ربما بسبب ظهور أنظمة غذائية جديدة، وأمراض جديدة، وكثافة سكانية عالية، وأنماط حياة مختلفة، مما أدى إلى ضغوط تطورية جديدة. ومن بين المتغيرات التي تم العثور عليها، تلك المرتبطة بلون البشرة الفاتح، والشعر الأحمر، وجهاز المناعة، وخطر الإصابة بداء السيلياك وداء كرون، وبعض أنواع مقاومة العدوى، وفصائل الدم، والصفات الأيضية.

مع ذلك، يؤكد الباحثون على ضرورة عدم تفسير النتائج بشكل مبسط. فوجود ارتباط بين متغير جيني وسمة تُقاس اليوم لا يُثبت أن السمة الحديثة هي التي تسببت في انتشار ذلك المتغير في الماضي. فالسمات مثل سنوات الدراسة، والدخل، أو المؤشرات السلوكية الحديثة، لم تكن موجودة بنفس الشكل في المجتمعات القديمة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها تفسيراً مباشراً للانتقاء الطبيعي قبل آلاف السنين. أحياناً يؤثر المتغير نفسه على عدة سمات مختلفة، وأحياناً أخرى يُوجد بالقرب من متغير آخر كان هو الهدف الحقيقي للانتقاء.

من الجوانب المثيرة للاهتمام في الدراسة تحديد المتغيرات التي ازداد ترددها ثم انخفض مرة أخرى. قد يشير هذا النمط إلى بيئة متغيرة: فالمتغير الذي ساهم في البقاء على قيد الحياة في فترة ما قد يصبح أقل فائدة، أو حتى ضارًا، في فترة أخرى. على سبيل المثال، قد تكون المتغيرات المرتبطة بالاستعداد للإصابة بأمراض معينة مرتبطة أيضًا بميزة مناعية ضد مسببات الأمراض الأخرى في الماضي.وصي)

تكتسب هذه الدراسة أهمية بالغة لأنها تُظهر قوة الحمض النووي القديم كأداة فعّالة في أبحاث التطور. فبدلاً من استنتاج الماضي من جينومات البشر الأحياء فقط، بات بإمكان الباحثين الآن تتبع التغيرات الجينية في الوقت الفعلي تقريبًا، على مدى آلاف السنين. ووفقًا لرايش، تُمكّننا هذه الدراسة من تحديد الزمان والمكان للقوى التي شكلت البيولوجيا البشرية، بدلاً من مجرد رصد آثارها في الجينوم الحديث.

مع ذلك، تقتصر النتائج حاليًا بشكل رئيسي على غرب أوراسيا، نظرًا لوجود أكبر وأشمل قاعدة بيانات للحمض النووي القديم في هذه المنطقة. ويشير الباحثون إلى إمكانية استخدام الأساليب نفسها مستقبلًا لدراسة سكان شرق آسيا وأفريقيا والأمريكتين ومناطق أخرى، حال توفر عدد كافٍ من العينات القديمة عالية الجودة. عندها فقط سيُمكن فهم ضغوط الانتقاء المحلية، والأنماط المتكررة التي ظهرت في مختلف السكان حول العالم.

في نهاية المطاف، لا تقدم الدراسة سردًا بسيطًا لـ"التقدم" التطوري، بل تُصوّر التطور البشري كعملية مستمرة ومعقدة وتعتمد على البيئة. لا تُشير التغيرات الجينية المكتشفة إلى تفوق مجموعة سكانية على أخرى، بل إلى تكيفات محددة مع ظروف معيشية متغيرة: الغذاء، والأمراض، والمناخ، ونمط الحياة، والكثافة الاجتماعية. وبذلك، تُذكّرنا الدراسة بأنه حتى في العصور التاريخية، ظل الإنسان جزءًا من الطبيعة، واستمر الجينوم البشري في التغير جنبًا إلى جنب مع العالم الذي عاش فيه.

بالنسبة للمقال العلمي: DOI: 10.1038/s41586-026-10358-1

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.