يجادل أندرو توماس من أستراليا بأن سنوات حكم علي خامنئي الست والثلاثين قد منحته سلطة غير محدودة تقريبًا، لكنها خلفت وراءها نظامًا ضعيفًا، ومجتمعًا إيرانيًا منقسمًا، وتآكلًا عميقًا لشرعية الجمهورية الإسلامية.

سيكثر الحديث عن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (التي اكتسبت في إسرائيل لقب "زئير هارير"). وكانت الضربة الأولى للحرب اغتيال العديد من الشخصيات البارزة في النظام الإيراني خلال اجتماعين كبيرين في منطقة قرب مقر إقامة المرشد الإيراني علي خامنئي، والذي تعرض أيضاً لعشرات القنابل الثقيلة.
في مقال تعليقي نشره أندرو توماس في مقالٍ له على موقع "ذا كونفرسيشن"، كتب توماس أن خامنئي "لن يُذكر لدى معظم الإيرانيين كقائدٍ قوي" وأنه "لن يحظى بالإعجاب". وأضاف أن الإرث الرئيسي الذي سيتركه وراءه هو "الضعف الشديد الذي ألحقه نظامه بالجمهورية الإسلامية على جميع الأصعدة". ويكتسب هذا التقييم أهميةً خاصةً الآن بعد أن أفادت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس بأن وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أكدت نبأ وفاة خامنئي عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية، وأن ردود الفعل داخل إيران نفسها كانت متباينة بين الحزن والارتياح والخوف والشك.
يُصوّر توماس خامنئي كقائدٍ انبثق من قلب الثورة الإسلامية، لا كحاكمٍ فُرض عليها من الخارج. ووفقًا له، فقد تبنّى منذ صغره أفكار الإسلام الثوري، وتأثر بالخميني بعد لقائه عام ١٩٥٨، وكان ناشطًا ضد حكم الشاه منذ ستينيات القرن الماضي. وبعد ثورة ١٩٧٩، اندمج سريعًا في مراكز القوة الجديدة، وساعد في تنظيم الحرس الثوري، وانتُخب لاحقًا رئيسًا. ويرى توماس أن الجمع بين الولاء الأيديولوجي للخمينية والروابط الوثيقة بالحرس الثوري كان أحد مفاتيح صعوده.
من أبرز نقاط تحليل توماس أن اختيار خامنئي لخلافة الخميني كان مفاجئًا نسبيًا، إلا أنه بعد توليه منصبه عام ١٩٨٩، اكتسب في الواقع سلطة مؤسسية أكبر من سلفه. ويشير توماس إلى أن تعيينه نفسه أثار انتقادات، لأنه لم يكن يُعتبر آنذاك حائزًا على المكانة الدينية الرفيعة التي يشترطها الدستور، ولذا أُجري استفتاء غيّر البند وسمح بانتخاب مرشد أعلى استنادًا إلى "العلم الإسلامي". ويقول إنه بمجرد الموافقة على التعديل، مُنح خامنئي صلاحيات واسعة للغاية: وضع السياسة العامة، وتعيين أعضاء مجلس صيانة الدستور وعزلهم، وقمع المعارضة بسهولة نسبية.
من هنا، بحسب توماس، بدأ البناء المنهجي لحكومة طويلة الأمد تعتمد بشكل أقل على الكاريزما الثورية وأكثر على السيطرة على المؤسسات. ويشير إلى أن خامنئي تعاون مع رؤساء مختلفين عندما ناسب ذلك مصالحه، لكنه عرقل مرارًا محاولات الإصلاح، لا سيما مع محمد خاتمي وحسن روحاني. كما كان وراء قمع الاحتجاجات الكبرى التي أعقبت انتخابات عام 2009، ويقول إنه أمر لاحقًا بقمع موجة الاحتجاجات التي اندلعت أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026 "بأي وسيلة ممكنة". ويكتب توماس في مقاله أن خامنئي "اكتسب نفوذًا غير مسبوق في السياسة الداخلية"، لكنه استخدمه أساسًا لضمان بقائه وبقاء النظام.
يُحمّل توماس خامنئي مسؤولية كبيرة عن توجه إيران الإقليمي والدولي. فبحسب رأيه، كان خامنئي أحد أبرز مهندسي استراتيجية طهران بالوكالة، ودعم خطاً مناهضاً للغرب، واستخدم معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل كعنصر أساسي في شرعية النظام. لكنه يرى أن هذا الخط بدأ يفقد مصداقيته تدريجياً، خاصة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، وبعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، حيث يعتقد توماس أن شرعية النظام تآكلت أكثر. ويصف إيران في نهاية عهد خامنئي بأنها "أضعف"، حتى أن هتافات احتجاجية داخل البلاد نفسها رفعت أصواتاً تدعو صراحةً إلى قتله.
لعلّ أكثر ما يثير الاهتمام في تقرير توماس هو المقارنة المباشرة مع الخميني. فعندما توفي آية الله روح الله الخميني عام ١٩٨٩، رافقه الملايين، وكان الحداد الشعبي هائلاً. ويزعم توماس أن الوضع مع خامنئي كان سيختلف تماماً: فقد حكم لفترة أطول، لكنه لم يحظَ بنفس الهيبة. وتؤكد أحدث تقارير وكالتي أسوشيتد برس ورويترز هذا التصور: فإلى جانب مسيرات العزاء التي نظمتها الدولة، كانت هناك احتفالات متفرقة، وصفارات إنذار، وصيحات فرح، لكن كل ذلك كان ممزوجاً بخوف عميق من استمرار القصف، ووجود مكثف لقوات الباسيج، والخوف من الفوضى. وهكذا، فإن لحظة وفاة خامنئي تُجسّد أيضاً ما يحاول توماس قوله: ليس إجماعاً على الإعجاب، بل مجتمع منقسم، منهك وغير متأكد من المستقبل.
خلاصة القول أن توماس لا يدّعي أن خامنئي كان حاكمًا ضعيفًا بالمعنى المؤسسي. بل على العكس، يصفه بأنه أحد أقوى الرجال الذين عرفتهم إيران الحديثة. ولكن نظرًا لقوته الهائلة، يتحمل مسؤولية مباشرة عن النتيجة النهائية: نظام قائم على الإكراه أكثر من الثقة، واقتصاد يعاني من أزمة، وعلاقات خارجية روسية، وشعب لم يتفاعل مع وفاته بالحزن بل بالارتياح والحذر والخوف. لذلك، وفقًا لتوماس، لن يُذكر خامنئي في المقام الأول كرجل حكم 36 عامًا، بل كرجل فقدت في عهده الجمهورية الإسلامية الكثير من أمنها وشرعيتها.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: