علم معدٍ: الذكاء الاصطناعي يطور غراءً طبياً فائق القوة يعمل أيضاً في البيئة المائية

تُظهر الأبحاث الجديدة كيف أدى الجمع بين مجموعات البروتين الطبيعية والتعلم الآلي إلى تطوير هيدروجيل ذي خصائص لاصقة استثنائية، مما قد يساعد في الطب والمواد المتقدمة في المستقبل.

غراء بيولوجي. رسم توضيحي: د. روي تسيزانا
غراء بيولوجي. رسم توضيحي: د. روي تسيزانا

يُعدّ ابتكار مواد لاصقة فعّالة في البيئات المائية أحد أكبر التحديات في علم المواد اليوم. قد يبدو الأمر مملاً، لكن حاول أن تُخبر امرأةً تمزق كيسها الأمنيوسي، وتسرب السائل الذي يُبقي جنينها على قيد الحياة. أو شخصًا تعرض لحادث سيارة ويعاني من نزيف داخلي لا يستطيع الأطباء إيقافه. أو طفلاً تمزق وترٌ لديه.

تتطلب جميع هذه الحالات - وغيرها الكثير في المجال الطبي - استخدام مادة لاصقة تعمل داخل الجسم. لكن هذه المواد اللاصقة نادرة، وقليلة العدد، وعادةً ما تكون ضعيفة للغاية.

إذن، ما المطلوب؟ لقد ذكرتُ سابقًا: ابتكار مواد لاصقة أفضل تعمل في البيئة المائية. لكن بين المطلوب والممكن طريق طويل من التجربة والخطأ، وعمل شاق لا ينتهي في المختبرات. ويزداد هذا العمل إحباطًا لأننا نعلم أن الطبيعة قد حلت المشكلة بالفعل. فالمحار والقواقع، على سبيل المثال، تلتصق بإحكام بالصخور الرطبة، وتتمكن من البقاء ملتصقة بها رغم الأمواج التي تضربها باستمرار. لكن محاولات الإنسان لمحاكاة تركيبها الكيميائي في المختبر استمرت لعقود، ولم تُثمر في أغلب الأحيان إلا خيبات أمل.

ثم، في العام الماضي، نُشرت دراسة في المجلة الطبيعة وهذا يُظهر كيف تتغير قواعد اللعبة في المختبرات. 

استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لتحليل "مكتبة براءات الاختراع" الطبيعية. فقد زودوا جهاز كمبيوتر بقاعدة بيانات ضخمة تضم ما يقرب من 25,000 بروتين لاصق مختلف من مختلف أنحاء المملكة الحيوانية. وقامت خوارزميات ذكية بفحص هذا الكم الهائل من المعلومات البيولوجية، واستخلصت رؤى حول الآليات التي تجعل بعض البروتينات أكثر أو أقل لزوجة. 

بعد أن تعمّق فهم الباحثين للموضوع، ابتكروا 180 "وصفة" لمادة هلامية (هيدروجيل). اختبروها في المختبر، وأدخلوا النتائج إلى نموذج تعلّم آلي. عند هذه المرحلة، تركوا للذكاء الاصطناعي مهمةً يصعب على الدماغ البشري القيام بها: رصد الأنماط المتكررة في كمّ هائل من البيانات. حلّل النظام المعلومات، وتوصل إلى وصفة ناجحة لمادة جديدة كليًا، مصممة من الصفر. ولكن هل هذه المادة فعّالة حقًا؟ لاختبارها، طبّق الباحثون الوصفة في المختبر، وحصلوا على مادة لاصقة جديدة، وأجروا عليها سلسلة من التجارب.

وعندما انتهوا من التجارب، ربما دعوا جميع أعضاء المختبر لتناول البيرة في الحانة، لأنهم كانوا قد حصلوا على مادة لاصقة ناجحة.

حطم الغراء الجديد الذي تم إنتاجه بمساعدة الذكاء الاصطناعي أرقامًا قياسية في عالم الطبيعة. فقد أظهر قوة تماسك تفوق عشرة أضعاف أي غراء هيدروجيل آخر معروف لدينا يعمل في البيئة المائية. بل إنه قابل لإعادة الاستخدام ويعمل في المياه المالحة. وقد تأكدنا من ذلك لأن الباحثين أثبتوا قدرته على لصق... بطة مطاطية بالصخور في البحر. لا تقلقوا، إنها بطة مطاطية. ومع ذلك، فقد التصقت بالصخور جيدًا بفضل الغراء الجديد، وواجهت بشجاعة جميع الأمواج العاتية التي قذفتها نحوها.

إن تداعيات هذا الإنجاز مثيرة للغاية. فعلى المدى القريب، قد نمتلك "غراءً فائقاً" يُنقذ الأرواح. لم يختبر الباحثون هذا الغراء داخل الجسم بعد، ولكن إذا حصل على الموافقات السريرية اللازمة، فسيُمكن استخدامه في غرف العمليات لإغلاق الأعضاء النازفة في ثوانٍ دون الحاجة إلى غرز. أو يُمكننا تثبيت مجسات طبية دقيقة على الأنسجة الداخلية. سيفتح أمامنا عالم جديد من العلاجات داخل الجسم.

هل هذا ما سيحدث؟ ربما. أنا دائمًا ما أتحفظ على المراهنة على مادة واحدة فقط. علم الأحياء علم معقد، ومن المستحيل معرفة أي مادة ستثبت فعاليتها في التجارب السريرية، وأيها ستفشل. مع ذلك، هناك احتمال للنجاح، وهذا أمر مشجع.

أما الأخبار الحقيقية، والأكثر تفاؤلاً، فتثير مخاوفكيف إننا نبتكر. إننا نشهد نقطة تحول في تاريخ العلم. فمن خلال الجمع بين البيانات البيولوجية الهائلة والقدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي، أصبحت دورات الابتكار والتطوير والاختراع، التي كانت تتطلب في السابق عقودًا من العمل المخبري المُحبط للطلاب، تُختصر الآن إلى بضعة أشهر.

سيستمر استخدام الذكاء الاصطناعي في المختبرات بالتوسع، نظرًا لنجاحاته الواضحة وسهولة استخدامه المتزايدة اليوم. في الواقع، باتت النماذج الأكثر تطورًا قادرة على إرشاد الباحثين حول كيفية استخدامها لهذه الأغراض. ومع ضرورة توخي الحذر من الاعتماد المطلق على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإن هذا يعني أن مستوى الخبرة اللازمة للاستفادة منه يتناقص بسرعة.

وهكذا، ندخل حقبةً ستشهد تسارعاً هائلاً في وتيرة الاكتشاف والتطوير والاختراع، في جميع المجالات. اليوم، نشهد غراءً قوياً مقاوماً للماء، وغداً قد نشهد مواد بلاستيكية ذاتية التحلل، أو جلداً اصطناعياً ذاتي الترميم، أو عضلات روبوتية. 

لم تكن الطبيعة يومًا أكثر انفتاحًا على التحليل والتجريب. يساعدنا الذكاء الاصطناعي على الاستفادة من مئات الملايين من السنين من التطور وإنتاج رؤى جديدة وأدوية بسرعة فائقة، مما يؤدي إلى علاجات طبية رائدة، وتقنيات طاقة متقدمة، وغير ذلك الكثير.

من المتوقع أن تشهد جميع المجالات - الطب والزراعة والهندسة - تحسناً كبيراً في السنوات القادمة بفضل القدرة على تطوير وابتكار الاختراعات بشكل أسرع وأفضل.

الآن علينا فقط أن نأمل أن نعرف كيف نستخدم كل هذه الاختراعات للأفضل.


حان الوقت لأذكركم بأنني سأتحدث في الثامن عشر من مايو في مؤتمر العلوم في الخارج في نيويورك حول مستقبل العلوم والبحوث. أهلاً بكم للقاء بي هناك!

תגובה אחת

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.