أظهر تحليلٌ لنحو 100 ألف كوازار وجود علاقة إحصائية بين انحراف سرعة الغاز قرب الثقب الأسود وكمية الغبار التي تحجبه. ويشير الباحثون إلى إمكانية استخدام هذا النمط للكشف عن الثقوب السوداء التي ارتدت من عمليات اندماج، لكنهم يؤكدون وجود تفسيرات أخرى محتملة.
عندما تصطدم مجرتان وتندمجان، لا تقتصر هذه العملية على التأثير على النجوم والغاز والغبار الموجود داخلهما فحسب، بل قد تقترب الثقوب السوداء الهائلة الموجودة في مركزيهما تدريجياً من بعضها البعض، لتشكل نظاماً ثنائياً، ثم تندمج في النهاية لتشكل ثقباً أسود واحداً أكبر حجماً.
لكن الثقب الأسود الناتج عن الاندماج ليس بالضرورة أن يبقى في مركز المجرة. فإذا لم تنتشر موجات الجاذبية المنبعثة أثناء الاندماج بشكل متناظر، فإنها تحمل زخمًا أكبر في اتجاه واحد. ووفقًا لقانون حفظ الزخم، يتلقى الثقب الأسود دفعة في الاتجاه المعاكس، وهي ظاهرة تُعرف باسم الارتداد الجاذبي.
عندما لا تتساوى كتلتا الثقبين الأسودين، أو عندما تتجه محاور دورانهما في اتجاهين مختلفين، قد تصل سرعة الارتداد إلى مئات أو حتى آلاف الكيلومترات في الثانية. وفي الحالات القصوى، قد يبتعد الثقب الأسود عن مركز المجرة، بل وقد يُقذف خارجها.
يبحث علماء الفلك منذ عقود الثقوب السوداء يصعب تحديد هذه النجوم فائقة الكتلة بدقة. قد تكون النواة المجرية النشطة التي تُرى على مسافة قليلة من مركز المجرة ثقبًا أسودًا متراجعًا، ولكن قد يكون هذا الرصد ناتجًا أيضًا عن التركيب المعقد للمجرة، أو اندماج غير مكتمل، أو مصادر ضوئية أخرى.
تقترح دراسة جديدة البحث ليس فقط عن موقع الثقب الأسود، بل أيضاً عن المادة المتبقية بعد الارتطام. نُشرت الورقة البحثية، التي لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، على موقع arXiv في مايو 2026، وهي من تأليف بينس تشي، وبيتر رافاي، وزولتان هايمان، وأندور بوداي، وزولت فراي. ([arXiv][1])
ما الذي يبقى ملتصقاً بالثقب الأسود؟
لا يخرج الثقب الأسود فائق الكتلة من مركز المجرة بالضرورة وحيداً. إذ يمكن لجاذبيته أن تحمل معها الجزء الداخلي من قرص التراكم - الغاز والغبار اللذان يتحركان بسرعة حول الثقب الأسود ويغذيانه.
تشمل هذه المنطقة "منطقة الخطوط العريضة"، حيث تتحرك سحب الغاز بسرعات عالية وتُنتج خطوط انبعاث عريضة في الطيف. وقد تتسبب حركة الثقب الأسود بالنسبة للمجرة في ظهور هذه الخطوط مُزاحة نحو أطوال موجية أطول أو أقصر نتيجة لتأثير دوبلر.
في المقابل، تقع "منطقة الخطوط الضيقة" على مسافة أبعد من الثقب الأسود. ترتبط المادة في هذه المنطقة في الغالب بالمجرة، وبالتالي لا يُفترض أن تُجرف مع ارتداد الثقب الأسود. لذا، قد تكشف مقارنة الخطوط العريضة بالخطوط الضيقة عن حركة الثقب الأسود بالنسبة للمجرة المضيفة.
قام الباحثون بتحليل أطياف لحوالي 100 الكوازارات من فهرس الكوازارات في مسح سلون الرقمي للسماء، SDSS DR16. الكوازارات هي نوى المجرة النشطة وهي شديدة السطوع، مدعومة بامتصاص مادة ما الثقوب السوداء فائقة الكتلة.
قام الفريق بقياس انزياح سرعة خط الهيدروجين العريض H-beta مقارنةً بالخطوط الضيقة الناتجة عن الأكسجين والكالسيوم. وفي الوقت نفسه، استخدم الباحثون احمرار لون الكوازار كتقدير لكمية الغبار في خط الرؤية. ([arXiv][1])
صلة ضعيفة - ولكنها ذات أهمية بالغة -
وجد الباحثون ارتباطًا إيجابيًا متوسطًا بين مقدار تغير سرعة الخطوط العريضة ودرجة اهتزاز الأرض الناتج عن الغبار. وتراوحت معاملات الارتباط بين 0.12 و0.13 تقريبًا، تبعًا للطريقة الإحصائية المستخدمة. ورغم أن هذه العلاقة ضعيفة نسبيًا، إلا أنها ذات دلالة إحصائية عالية نظرًا لكبر حجم العينة.
كلما زاد انحراف السرعة، زادت نسبة الكوازارات التي حجبتها كميات كبيرة من الغبار. ووفقًا للباحثين، تتوافق هذه النتيجة مع التوقع القائل بأن الثقب الأسود المرتدّ سيحمل معه بعضًا من مادته الداخلية أثناء تحركه عبر البيئة الغبارية في مركز المجرة.
للتأكد من أن الارتباط لم يكن نتيجة عشوائية لطريقة القياس، أعاد الباحثون التحليل باستخدام بيانات سرعة الخطوط الضيقة المختلفة. وبما أن مناطق الخطوط الضيقة يفترض أن تبقى متصلة بالمجرة ولا تتحرك مع الثقب الأسود، فمن غير المتوقع العثور على نفس الارتباط هناك.
في الواقع، عندما اقتصرت المقارنة على الخطوط الضيقة فقط، اختفى الارتباط تمامًا تقريبًا. ويرى الباحثون في ذلك دليلًا على أن النمط الذي اكتشفوه مرتبط بحركة المادة بالقرب من الثقب الأسود. ([arXiv][1])
إحدى النتائج لا تتناسب مع النموذج البسيط
إضافةً إلى مطابقة التوقعات الأساسية، اكتشف الباحثون ظاهرةً يصعب تفسيرها باستخدام نموذج ارتداد بسيط. فقد كانت الكوازارات التي تظهر خطوطها الطيفية مُزاحةً نحو الأزرق - أي أنها تبدو وكأنها تتحرك باتجاه الأرض - أكثر حجبًا بالغبار من الكوازارات التي تظهر خطوطها الطيفية مُزاحةً نحو الأحمر والتي تبدو وكأنها تتحرك بعيدًا عنا.
لا يُتوقع بالضرورة وجود مثل هذا الاختلاف إذا كان اتجاه الارتداد عشوائيًا. يقترح الباحثون عدة تفسيرات محتملة، بما في ذلك التحيزات في عملية مطابقة الخطوط الطيفية، ورياح الغاز المنبعثة من نواة المجرة، وتدفق المادة، وزاوية الرؤية، أو بنية غير متناظرة لمنطقة الخط العريض.
هذا يعني أن التنافر الجاذبي يُعد تفسيراً طبيعياً للنمط المكتشف، ولكنه ليس التفسير الوحيد المحتمل. ويؤكد الباحثون على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات لاستبعاد العمليات الأخرى التي قد تربط تشوهات السرعة بالغبار. ([arXiv][1])
أداة إحصائية لتحديد موقع مجموعة سكانية يصعب الوصول إليها
لا تُقدّم هذه الدراسة تحديدًا قاطعًا لثقب أسود مُرتد مُحدد. إنها دراسة إحصائية على مستوى السكان، لذا فهي تُشير إلى وجود ارتباط بين سمتين، ولا تُثبت علاقة سببية.
ومع ذلك، إذا تم تأكيد النتيجة في دراسات أخرى، فقد توفر طريقة جديدة لتقدير تواتر اندماجات الثقوب السوداء فائقة الكتلة، وسرعات ارتدادها، وخصائص أقراص التراكم والغبار المحيطة بالنوى المجرية النشطة.
قد تساعد هذه الطريقة أيضاً في اختيار المرشحين لإجراء عمليات رصد لاحقة. فبدلاً من مسح السماء بحثاً عن ثقب أسود يظهر بعيداً عن مركز المجرة، سيكون من الممكن التركيز على الكوازارات التي تُظهر مزيجاً من انحراف سرعة غير عادي وكمية كبيرة نسبياً من الغبار.
نتطلع إلى المستقبل موجات الجاذبية من المتوقع أن تكون التلسكوبات الفضائية المستقبلية حساسة لاندماجات الثقوب السوداء الهائلة. وقد يُتيح الجمع بين رصد موجات الجاذبية وقياسات الضوء والغبار والخطوط الطيفية دراسةً أكثر دقةً للارتدادات القوية الناتجة عن هذه الأحداث. نُشر البحث في موقع SciTechDaily، وهو مُقتبس من مقالٍ لأندي تومسويك نُشر في موقع Universe Today. ([SciTechDaily][2])
بالنسبة للمقال العلمي: فتح المقال العلمي
المزيد عن هذا الموضوع على موقع العلوم
- من المحتمل أن يكون ثقب أسود قد مزق نجمًا ضخمًا، مما أدى إلى حدوث وميض كوني غير مسبوق
- تلسكوب إقليدس الفضائي يكتشف أقدم الكوازارات التي تم رصدها على الإطلاق
- وجه في الفضاء: تلسكوب هابل يلتقط تصادماً نادراً وجهاً لوجه بين مجرتين
- يساعد الذكاء الاصطناعي في فك شفرة كيفية تشكل العناصر الثقيلة في الكون
- تلسكوب جيمس ويب يكتشف سحباً ملحية في الغلاف الجوي لـ "الكوكب الوردي"