مقبرة جماعية في جرش بالأردن تكشف عن الخسائر البشرية الناجمة عن طاعون جستنيان

يقدم بحث جديد من الأردن أول موقع دفن تم تأكيده أثرياً وجينياً على أنه مرتبط بالطاعون الدبلي في العصر البيزنطي، مما يلقي ضوءاً جديداً على تأثيره على المجتمع الحضري المبكر.

ميدان سباق الخيل القديم في جرش، موقع مقبرة جماعية تعود إلى عصر الطاعون. حقوق الصورة: كارين هندريكس، جامعة سيدني.
ميدان سباق الخيل القديم في جرش، موقع مقبرة جماعية تعود إلى عصر الطاعون. حقوق الصورة: كارين هندريكس، جامعة سيدني.

لا يزال طاعون جستنيان، الذي يُعتبر أول تفشٍ معروف للطاعون الدبلي في حوض البحر الأبيض المتوسط، يكشف أسراره بعد مرور نحو 1,500 عام على إصابته للإمبراطورية البيزنطية. وتركز دراسة جديدة، نُشرت في مجلة العلوم الأثرية، على مدينة جرش القديمة في الأردن، وترسم صورة أوضح للخسائر البشرية التي تكبدها سكان المنطقة. فبدلاً من مجرد تحديد البكتيريا المسببة للمرض، سعى الباحثون إلى فهم هوية الضحايا، وكيف عاشوا، وكيف بدا الطاعون في مدينة حقيقية في وقت الأزمة.

مقبرة جماعية في ميدان سباق الخيل

قاد الدراسة البروفيسور رايز إتش واي جيانغ من جامعة جنوب فلوريدا، بالتعاون مع باحثين من مجالات الصحة العامة، وعلم الجينوم، وعلم الإنسان، والتاريخ، والطب الجزيئي. ووفقًا للتقرير، تُعد هذه الدراسة الثالثة ضمن سلسلة دراسات تتناول طاعون جستنيان، إلا أن التركيز هذه المرة تحول من العامل الممرض نفسه إلى الأشخاص الذين تأثروا به. وقد وجد الباحثون أنه في منطقة عامة مهجورة بالمدينة، دُفنت جثث كثيرة بسرعة فوق طبقات من شظايا الفخار، مما يشير إلى عملية دفن مركزة واحدة وليست مقبرة تطورت تدريجيًا عبر الزمن.

لعلّ هذه هي أهم نتائج الدراسة: جرش هي أول موقع يُؤكَّد فيه وجود مدفن جماعي لضحايا الطاعون، وذلك من خلال الاكتشافات الأثرية والتحليل الجيني. فبينما تصف المصادر التاريخية لتلك الفترة انتشار المرض على نطاق واسع، لم يكن من الممكن في كثير من الحالات إثبات ارتباط المقابر الجماعية بالطاعون بشكل قاطع. إلا أن الباحثين في جرش توصلوا إلى أن مئات الأشخاص دُفنوا في غضون أيام قليلة. وهذا يُقدّم تأكيدًا مباشرًا على حجم الوفيات، ودليلًا ملموسًا على شكل انهيار الحياة المدنية خلال الطاعون.

أنماط الحركة في السكان

تُسهم هذه الدراسة أيضًا في فهم أنماط التنقل بين السكان القدماء. فعلى مرّ السنين، كان هناك تناقضٌ بين المصادر التاريخية والوراثية، التي أشارت إلى تنقل السكان واختلاطهم بين المناطق، وبين مواقع الدفن المنتظمة، التي كشفت أحيانًا عن صورة محلية أكثر وضوحًا. وتقدم نتائج جرش حلًا لهذه المعضلة: ففي الأوقات العادية، تندمج الجماعات المتنقلة تدريجيًا في المجتمع المحلي، ولذلك يصعب تحديد تحركاتها. أما في أوقات الأزمات، عندما يموت الكثيرون في فترة وجيزة ويُدفنون معًا، فتظهر آثار هذا التنقل بشكل أوضح. ووفقًا للباحثين، كان المدفونون في جرش جزءًا من جماعة متنقلة ضمن المجتمع الحضري الأوسع في الأردن القديم.

الأوبئة – ليست مجرد حدث بيولوجي فحسب، بل هي أيضاً حدث اجتماعي

إلى جانب أهميتها الأثرية، تحمل هذه الدراسة رسالة معاصرة. يؤكد الباحثون أن الأوبئة ليست مجرد أحداث بيولوجية، بل هي أحداث اجتماعية أيضاً. فهي تتأثر بكثافة السكان، وحركة البشر، والظروف البيئية، وبنى الهشاشة الاجتماعية. وبهذا المعنى، لا يُعدّ طاعون جستنيان مجرد حدث بعيد من الماضي، بل مرآة تاريخية لفهم كيفية انتشار الأمراض وتأثيرها على المجتمعات البشرية. ولذلك، لا تقدم جرش دليلاً على طاعون قديم فحسب، بل تقدم أيضاً قصة إنسانية شاملة لمدينة وقعت في أزمة حادة، وكيف حاول مجتمع بأكمله التكيف معها.

للمادة العلمية دوى: 10.1016/j.jas.2026.106473

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.