تشرح البروفيسورة سيمون شماي-زوري من جامعة حيفا لماذا يشعر الفريق الوطني بالانتصار الشخصي عند تسجيل هدف، وكيف يتم خلق "فرحة الروح" ضد الخصم، ولماذا تحولنا مشاهدة كرة القدم معًا إلى مجموعة عاطفية متزامنة للحظة.
في الدقيقة التسعين، النتيجة 0-0، نحن في نهائي كأس العالم، يجب أن نحقق نتيجة، اللاعبون متوترون، الحرارة في الملعب لا تطاق، الحكم يمسك الصافرة، سيشير قريباً إلى الوقت الإضافي، التوتر في الملعب وفي مدرجات المشجعين يكاد يكون لا يطاق.
توقفوا. ما الذي يحدث للجماهير الآن في المدرجات وفي منازلهم؟ ما هو التفسير النفسي للمشاعر التي تنتابهم؟ هل ثمة فرق بين المشاهدة الجماعية والمشاهدة من المنزل، وبالطبع من المدرجات في الملعب؟ تنطلق بطولة كأس العالم في 11 يونيو 2026، وستُقام هذا العام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك؛ لوس أنجلوس إحدى المدن المضيفة، وستستضيف أيضًا المباراة الافتتاحية للمنتخب الأمريكي ومباريات أخرى. استعدادًا لكأس العالم، توجهنا إلىالأستاذ سيمون شماي-زوري، رأس مركز الدماغ والسلوك في جامعة حيفا، لفهم ما نمر به خلال الألعاب.
أستاذة شماي-زوري، كأس العالم من أكثر الأحداث إثارةً للمشاعر في العالم. ما الذي يحدث فعلاً في أدمغتنا لحظة تسجيل فريقنا هدفاً؟
يمكن اعتبار كرة القدم بمثابة مختبر حي للمنافسة بين الفرق. إنها مساحة ينظم فيها الناس أنفسهم بسرعة إلى "نحن" و"هم"، ويتزامنون مع بعضهم البعض، ويتحمسون معًا، ويكرهون معًا، ويحسدون معًا، وأحيانًا حتى يفرحون معًا.
انبثقت فكرة كأس العالم من إدراك القوة الهائلة لكرة القدم في تركيز المشاعر الوطنية والجماعية ضمن إطار منظم. كان جول ريميه، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والشخصية الأبرز في تأسيس كأس العالم، فرنسيًا عايش الحرب العالمية الأولى. بعد الحرب، روّج لفكرة بطولة عالمية لكرة القدم، مؤمنًا بقدرة اللعبة على توحيد الدول المتنافسة ومنح المنافسات الوطنية طابعًا رمزيًا ومنظمًا وسلميًا. أُقيمت أول بطولة لكأس العالم عام 1930 في أوروغواي، ورأى ريميه في كرة القدم ساحةً تتنافس فيها الدول، وتفتخر، وترفع أعلامها، وتلتقي فيما بينها - دون قتال.
ولكن لهذا السبب تحديدًا، يُعدّ كأس العالم مكانًا مثيرًا للاهتمام من الناحية النفسية. فهو لا يُزيل مشاعرنا القبلية، بل يُركّزها في بيئة غير عنيفة. في تسعين دقيقة، يُمكنك أن ترى تقريبًا جميع الظواهر الاجتماعية للتنافس بين المجموعات: التزامن، والانتماء، وسلوك القطيع، والفخر الجماعي، والغيرة، والتنافس، والفرح لذاته.
لحظة تسجيل فريقنا هدفًا، يشعر الدماغ وكأننا حققنا نصرًا عظيمًا، وكأننا جزء من فريق قوي ومتين. بالنسبة للمشجع الحقيقي، يُمثل الفريق جزءًا من هويته، ولذلك يُشعر بالهدف وكأنه نجاح شخصي أو عائلي. تنشط مراكز المكافأة في الدماغ، وخاصة المناطق المرتبطة بالمتعة والتحفيز وتوقع المكافأة. في الوقت نفسه، يحدث استثارة جسدية قوية: يزداد معدل ضربات القلب، ويتغير التنفس، وتتقلص العضلات، وأحيانًا يتفاعل الجسم قبل أن نتمكن من التفكير. لاحظ الباحثون الذين درسوا تعابير الوجه أثناء الفوز أن رد الفعل قوي، يكاد يكون مؤلمًا. هناك أبحاث تُظهر أن تعبير الوجه عند الفوز يُشبه تعبير الوجه عند الألم. يتفاعل الجسم تلقائيًا - القفز، والصراخ، والتلويح بالأيدي، وحتى معانقة شخص غريب.
هذه الفرحة ليست فردية فحسب، بل هي جماعية. يتفاعل آلاف أو ملايين الأشخاص في اللحظة نفسها مع الحدث نفسه. تخلق البوابة لحظة نادرة تتحد فيها الجسد والمشاعر والهوية الجماعية في آن واحد. وللحظة وجيزة، يتسع نطاق "الأنا" ليصبح "نحن"، كقطيع واحد قوي يختبر فرحة مشتركة.
أحيانًا، يُسعدنا فشل الخصم أكثر من انتصارنا. ما الذي يحدث لنا حقًا ولماذا؟
هذه هي الظاهرة المعروفة باسم "الشماتة". لا يحب معظمنا الاعتراف بذلك، لكنها عاطفة إنسانية أكثر شيوعًا مما نعتقد. تتكون الكلمة الألمانية "الشماتة" من كلمتين: "شادن" وتعني الضرر أو الأذى، و"فرويد" وتعني الفرح - أي "الفرح بمصائب الآخرين". قد يشعر مشجع كرة القدم بالرضا عندما يخسر الفريق المنافس، وقد يفرح الموظف عندما ينتقد المدير زميلًا ناجحًا - كما لو أن ميزان القوى قد أصبح أكثر عدلًا مرة أخرى.
يرى العديد من علماء النفس أن لذة الحسد هي الوجه الآخر للعملة. فعندما يجعلنا نجاح شخص آخر نشعر بالدونية، قد يُعيد فشله إلينا مؤقتًا شعورنا بالمساواة. وقد وجدت دراسات أجراها سميث وزملاؤه أن الناس يُبلغون عن فرحة أكبر عندما يفشل شخص ناجح مقارنةً بفشل شخص لا يُنظر إليه على أنه يتمتع بميزة خاصة. أحيانًا يكون سقوط من هم "أعلى" منا هو ما يُثير أقوى رد فعل.
في سياق كأس العالم، يظهر شعور الفرحة بالخصم، خاصةً عندما يكون هناك تنافس تاريخي أو شعور بأن الفريق الآخر يُهدد فريقنا. سنشعر بهذا الشعور حتى لو لم نستفد من فشل الخصم - فالشعور السائد هو أنه إذا أُصيبوا بالضعف، سنصبح أقوى.
هذا لا يعني أننا نتصرف بشكل غير أخلاقي أو تافه. بل يعني أن دماغنا الاجتماعي مصمم للتفكير الجماعي. فهو يشير باستمرار إلى أداء فريقي مقارنةً بالفريق المنافس، ونجاح الفريق المضيف يُسعدنا، لكن فشل الفريق الضيف قد يُشعرنا بالرضا أيضاً.

هل هناك لحظة محددة من كأس العالم توضح هذه الظاهرة بشكل مثالي؟
هناك لحظات عديدة في البطولة تُجسّد ظاهرة التكاتف الجماعي. يظهر ذلك جليًا في لحظات الذروة، كالفوز الساحق أو الخسارة المُذلّة. ومن أبرز هذه اللحظات ركلات الترجيح. ففي الركلة الأخيرة، يبدو العالم وكأنه يتقلص إلى نقطة واحدة: اللاعب، الكرة، حارس المرمى، المرمى. ملايين الناس يحبسون أنفاسهم في تلك اللحظة. إذا أضاع لاعب الخصم ركلته، فإنّ فرحة الجماهير لا تقتصر على التأهل فحسب، بل هي أيضًا فرحة بانهيار الفريق الآخر. يظهر ذلك جليًا في أجسادهم: يقفزون، يضحكون، يصرخون، بل ويقلّدون أحيانًا يأس الخصم. إنها لحظة تمتزج فيها الفرحة، والارتياح، والمنافسة، والبهجة الخالصة.
"إن ركلات الجزاء هي التي توضح كيف أن كرة القدم ليست مجرد لعبة رياضيين، بل هي مختبر عاطفي واسع للهوية الجماعية."
ماذا يحدث عندما يمر ملايين الأشخاص بنفس اللحظة في نفس الوقت بالضبط - هل يمكننا الحديث عن "عقل جماعي"؟
بطريقة ما، تُذكّرنا لحظات كهذه بأننا ما زلنا كائنات اجتماعية. عندما نفكر في قطيع، غالبًا ما نتخيل شيئًا سلبيًا - أناسًا يتصرفون دون تفكير. لكن في الطبيعة، تُعدّ الاجتماعية في المقام الأول آلية للبقاء. تتحرك الطيور والأسماك في أسراب، والثدييات في قطعان - يتعلمون من بعضهم البعض، ويصطادون معًا، ويتفاعلون معًا مع التهديدات، وبالتالي يزيدون من فرص بقائهم. لدى البشر أيضًا ميل عميق للتناغم مع المجموعة، ولكن في حالتنا، يتجلى ذلك أيضًا في العاطفة والانتباه والتفكير.
إنّ تشبيه "الدماغ الجماعي" صورةٌ بليغة. ففي لحظاتٍ معينة، تتصرف المجموعة وكأنها كائنٌ حيٌّ واحد، جسدٌ واحدٌ ينظر ويتوتر وينقبض وينفجر معًا. وقد أظهرت دراساتٌ أجريناها في مختبرنا أنه خلال التزامن الحركي والعاطفي، تتزامن الأدمغة أيضًا، إذ يتولد نشاطٌ دماغيٌّ مشترك، كما لو أن أفراد المجموعة يبثون على نفس الموجة. هذه آليةٌ قديمةٌ تُمكّننا من أن نصبح قطيعًا يحمي أفراده.
هل يختبر المشجعون الذين يشاهدون المباراة بمفردهم في المنزل تجربة مختلفة عن أولئك الذين يشاهدونها في المدرجات؟
نعم، الدماغ يدرك الفرق بالتأكيد. عندما نشاهد بمفردنا، قد نشعر بحماس شديد، ولكن عندما نشاهد مع الآخرين، يزداد الحماس. يتيح التواجد المشترك تزامنًا أفضل بين أجزاء الدماغ - فنحن لا نتفاعل مع المباراة فحسب، بل نتفاعل أيضًا مع ردود فعل من حولنا.
"الهتافات، والتصفيق، وحركات الجسد، والوجوه المتوترة، والأحضان - كل هذه الأمور تزيد من التناغم بين المشجعين. يصبح الحماس مُعديًا. إذا كان كل من حولي يقفز، فإن جسدي يدخل في نفس الحالة. لهذا السبب، قد يكون الشعور بمباراة في ملعب أو حانة أقوى بكثير من نفس المباراة تمامًا على الأريكة في المنزل."
وأخيراً، ما الذي ترغب أن يفهمه المشجع العادي عن نفسه؟
"أود أن يفهم أنه عندما يصرخ أمام الشاشة، أو يقفز فرحاً، أو يشعر بألم حقيقي بعد الخسارة - فهو لا "يبالغ". عقله يعامل الفريق حقاً كجزء منه."
لكنني أودّ أن يفهم الجانب الآخر أيضًا: الشعور الجماعي قوة رائعة، ولكنه خطير أيضًا. فهو قادر على ربط الغرباء وخلق لحظات من التقارب والوحدة، ولكنه قد يتحول بسرعة إلى عداء وكراهية. تُذكّرنا كرة القدم بأننا لا نفكر ونشعر بالوحدة بمفردنا فحسب، بل نتأثر بمشاعر الآخرين، ونتناغم معها، وأحيانًا نصبح جزءًا من قطيع عاطفي. السؤال ليس كيف نتخلص من هذا الشعور، بل كيف نعي وجوده، ونستمتع بسحر الجماعة دون أن نفقد إنسانيتنا تجاه الآخرين.
نتمنى للجميع مشاهدة ممتعة لكأس العالم 2026، ونتمنى أن يرتقي المنتخب الإسرائيلي يوماً ما إلى هذا المستوى المشرف.
أسئلة وأجوبة مختصرة
ماذا يحدث في الدماغ عندما يسجل الفريق المفضل هدفاً؟
يتم تنشيط أنظمة المكافأة في الدماغ، ويدخل الجسم في حالة من الإثارة، ويشعر المشجع بالنجاح كما لو كان مرتبطًا به شخصيًا أو بالفريق الذي ينتمي إليه.
لماذا يفرح المشجعون أحيانًا بفشل الخصم؟
هذه ظاهرة تُعرف باسم الفرح من أجل الفرح. في سياق جماعي، قد يبدو فشل الخصم وكأنه يُقوّي فريقنا.
هل تختلف مشاهدة المباراة في الملعب عن مشاهدتها بمفردك في المنزل؟
نعم. إن المشاهدة معًا تزيد من حدة المشاعر، لأن المشجعين لا يتفاعلون مع المباراة فحسب، بل يتفاعلون أيضًا مع بعضهم البعض: مع الهتافات والتصفيق والتوتر والفرح من حولهم.
ماذا يعني مصطلح "العقل الجماعي" في سياق كرة القدم؟
هذه صورة لموقف تتفاعل فيه مجموعة كبيرة من الناس معاً على نفس الحدث، ويتزامنون عاطفياً وأحياناً جسدياً، ويتصرفون كوحدة واحدة تقريباً.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: