حدد باحثون من معهد وايزمان وهيئة الآثار الإسرائيلية تاريخ بناء سد بركة سلوام إلى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد. وفي مقال تحليلي نُشر في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، أكد البروفيسور غاي بار-أوز والبروفيسور جدعون أفني من جامعة حيفا على أهمية الأمن المائي في المدن، آنذاك كما هو الحال الآن.
يمثل يوم القدس، الذي أقيم الأسبوع الماضي، فرصةً للنظر ليس فقط إلى مدينة اليوم، بل أيضاً إلى التحديات التي واجهتها القدس القديمة. وكان أحد أبرز هذه التحديات هو إمدادات المياه. وقد حددت الأبحاث التي أجرتها وحدة الآثار العلمية في معهد وايزمان للعلوم، بالتعاون مع سلطة الآثار الإسرائيلية، تاريخ بناء سد بركة سلوام الضخم إلى الفترة ما بين 805 و795 قبل الميلاد. نُشرت الدراسة في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، PNAS.
أُجريت الدراسة الأصلية بقيادة الدكتورة جوهانا ريغيف والبروفيسورة إليزابيتا بوارتو من معهد وايزمان، بالتعاون مع علماء الآثار الدكتور نحشون زينتون، والدكتور فيليب فوكوسبوفيتش، وإيتامار باركو من سلطة الآثار الإسرائيلية. استخدم الباحثون أساليب علم الآثار الدقيقة وتأريخ الكربون-14 للمواد العضوية الدقيقة العالقة في طين السد أثناء بنائه، بما في ذلك القش المجهري والأغصان المتفحمة. ووفقًا لمعهد وايزمان، يُعدّ نطاق التأريخ الدقيق إنجازًا استثنائيًا لاكتشاف أثري يزيد عمره عن 2,800 عام.
عقب الدراسة، كتب البروفيسور غاي بار-أوز والبروفيسور جدعون أفني، من كلية الآثار والحضارات البحرية بجامعة حيفا، مقالاً تحليلياً في مجلة PNAS. لم يكن مقالهم البحث نفسه، بل نقاشاً أوسع حول أهمية هذا الاكتشاف في فهم أمن المياه في القدس وغيرها من المدن القديمة. ووفقاً لموقع PubMed، نُشر مقالهم في سبتمبر 2025 كرد أو تعليق على دراسة حول تأريخ سد سلوام.مجلات)
نظام مائي لمدينة بلا نهر
كانت القدس القديمة مدينة جبلية تفتقر إلى نهر رئيسي، واعتمدت على مصادر المياه المحلية، وأبرزها عين جيحون. وتتأثر هذه المصادر بتغيرات هطول الأمطار، فعندما تؤدي سنوات الجفاف المتتالية إلى انخفاض تدفق الينابيع، حتى المدن العريقة قد تواجه نقصًا في المياه.
بحسب بيان صادر عن معهد وايزمان، قام الباحثون بدمج بيانات تأريخ السد مع بيانات مناخية من كهف سوريك، وحفريات في البحر الميت، ومؤشرات متعلقة بالنشاط الشمسي. وقد قادهم هذا الدمج إلى استنتاج أن السد كان جزءًا من نظام مائي أوسع مصمم للتكيف مع الظروف المناخية الصعبة: سنوات الجفاف إلى جانب فترات قصيرة من الأمطار الغزيرة التي قد تتسبب في فيضانات مفاجئة.
قال معهد وايزمان إن "النتائج تشير إلى تخطيط حضري واسع النطاق لإدارة نظام المياه في القدس منذ القرن التاسع قبل الميلاد". ورأى الباحثون في ذلك دليلاً على قدرة المدينة على تنفيذ مشروع هندسي كبير خلال فترة مملكة يهوذا.
الأمن المائي منذ العصور القديمة
بحسب البروفيسور بار-عوز، تُبيّن حالة القدس أن أزمات المياه ليست ظاهرة جديدة. ففي الماضي، واجهت المدن الجفاف، وتراجع توافر المياه، والتغيرات البيئية السريعة. وفي حالة القدس، تمثلت الاستجابة في بناء نظام تخزين واسع النطاق، مُصمّم لتخزين المياه خلال مواسم الجفاف وتعزيز قدرة المدينة على الصمود.
بحسب بار-أوز وأفني، تكمن النقطة الأساسية في أن السد وبركة سلوام ليسا مجرد بقايا أثرية رائعة، بل يُعلّماننا الكثير عن التفكير الحضري المبكر: كيف تخطط المدينة لمستقبلها في مواجهة عدم اليقين المناخي. بعبارة أخرى، منذ حوالي 2,800 عام، كان الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من قدرة المدينة على النمو والعمل والبقاء.
درس من الماضي للحاضر
ينبغي توخي الحذر عند إجراء المقارنات مع الوضع الراهن. فالقدس القديمة تختلف عن المدن الحديثة، وكانت الأدوات المتاحة لسكانها مختلفة تمامًا. في الماضي، اعتمدت حلول المياه على السدود والبرك والقنوات المائية. أما اليوم، فقد تم تعزيز ذلك بتحلية مياه البحر، وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، والمراقبة المتقدمة، والإدارة الإقليمية لموارد المياه.
ومع ذلك، يبقى المبدأ الأساسي كما هو. فالمدينة التي لا تضمن لنفسها إمدادًا موثوقًا بالمياه ستواجه صعوبة في الحفاظ على قدرتها على الصمود. وتُذكّرنا دراسة سد سلوام بأنّ التعامل مع نقص المياه كان ملازمًا للمدن عبر التاريخ، وأنّ أزمات المياه كانت عاملًا محوريًا في تشكيل الأنظمة الحضرية والاقتصادية والاجتماعية.
بهذا المعنى، لا تقتصر دراسة القدس القديمة على مجرد إلقاء نظرة على الماضي، بل إنها توفر نقطة مقارنة مهمة للتساؤلات التي لا تزال المدن تواجهها اليوم: كيفية الاستعداد للجفاف المتغير، وكيفية إدارة موارد المياه المحدودة، وكيفية بناء أنظمة حضرية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ.
أسئلة وأجوبة مختصرة
من قام بإجراء البحث الأصلي؟
أُجريت الدراسة الأصلية من قبل باحثين من معهد وايزمان للعلوم بالتعاون مع سلطة الآثار الإسرائيلية، ونُشرت في مجلة PNAS.
ما الذي تم اكتشافه بشأن السد؟
تم تحديد تاريخ سد بركة سيلوام إلى الفترة ما بين 805 و795 قبل الميلاد، باستخدام التأريخ بالكربون-14 للمواد العضوية المحتجزة في ملاط البناء.
لماذا هذه النتيجة مهمة؟
يشير هذا إلى تخطيط حضري متقدم لنظام مائي في القدس يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، على الأرجح في ظل ظروف مناخية صعبة. ووفقًا للباحثين، كان الهدف من بناء السد هو المساعدة في تخزين المياه ومواجهة انخفاض معدل هطول الأمطار والفيضانات المفاجئة.
ما علاقة ذلك باليوم؟
تُظهر النتائج أن الأمن المائي في المدن كان يُمثل تحديًا كبيرًا في المدن القديمة. وحتى اليوم، لا تزال المدن مُطالبة بالتخطيط على المدى الطويل في مواجهة الجفاف، والضغط على موارد المياه، وتغير المناخ.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: