يكشف بحث جديد: هكذا تم بناء اقتصاد النبيذ المزدهر في النقب البيزنطي - وكيف انهار خلال سنوات الجفاف

يوضح نموذج حاسوبي جديد، طُوِّر في جامعة حيفا، كيف تمكّن مزارعو النقب في القرنين الرابع والسابع الميلاديين من تأسيس صناعة نبيذ صحراوية، ولكنه يُظهر أيضًا مدى تأثرهم بأزمة المناخ. تُقدّم هذه النتائج رؤىً مهمة لإدارة الزراعة الحديثة في المناطق القاحلة.

فسيفساء من القرن السادس الميلادي، عُثر عليها في كنيسة بكسوفيم (بإذن من متحف إسرائيل). تُصوّر الفسيفساء أوربيكون، تاجرًا أو صانع نبيذ، يحمل عنقود عنب في يده، ويقود جملًا محمّلًا بجرار نبيذ من النوع الغزّي.
فسيفساء من القرن السادس الميلادي، عُثر عليها في كنيسة بكسوفيم (بإذن من متحف إسرائيل). تُصوّر الفسيفساء أوربيكون، تاجرًا أو صانع نبيذ، يحمل عنقود عنب في يده، ويقود جملًا محمّلًا بجرار نبيذ من النوع الغزّي.

تمكن مزارعو النقب خلال العصر البيزنطي من تأسيس اقتصاد نبيذ مزدهر في قلب صحراء قاحلة، لكن النظام الزراعي الذي اعتمدوا عليه كان ضعيفا للغاية ويعتمد كليا على جمع مياه الأمطار والاستفادة القصوى منها، وفقا لدراسة جديدة أجريت في جامعة حيفا ونشرت في المجلة العلمية بلوس ONEباستخدام نموذج حاسوبي مبتكر، تمكن الباحثون، ولأول مرة، من إعادة بناء حجم الإنتاج، والظروف التي أدت إلى هذا الازدهار الاستثنائي، والأسباب التي أدت إلى انهيار الصناعة. وصرح البروفيسور جاي بار أوز من جامعة حيفا، أحد مؤلفي الدراسة: "تُظهر دراستنا أن المجتمعات القديمة عرفت كيفية التكيف مع الظروف المناخية القاسية، ومدى اعتمادها على الموارد الطبيعية وقدرتها على استغلالها بالكامل. وهذه رؤية مهمة لعصر تغير المناخ الحالي".

لطالما كان النبيذ من أكثر المحاصيل ربحيةً ورواجا في منطقة البحر الأبيض المتوسط عبر التاريخ. وخلال العصر البيزنطي، من القرن الرابع إلى القرن السابع الميلادي، بلغت صناعة النبيذ ذروتها في منطقة النقب القاحلة. وقد أظهرت دراسات سابقة أن مزارعي النقب استخدموا أساليب زراعية متطورة في الأراضي الجافة - بناء المدرجات، وقنوات الصرف، والسدود الحجرية، وخزانات التخزين - لجمع مياه الأمطار وري كروم العنب والحقول. ومع ذلك، لم يُبنَ حتى الآن نموذج كمي يدرس مدى مساهمة هذه الأساليب في تحسين المحاصيل، وما هي غلة الكروم خلال سنوات الجفاف وتغير المناخ الشديد. في الدراسة الحالية، سعى البروفيسور بار أوز، والبروفيسور جيل جامباش، وطالب البحث باراك جيرتي من كلية الآثار والحضارات البحرية، والبروفيسورة شارونا ت. ليفي من قسم علوم التعلم والتعليم في كلية التربية بجامعة حيفا، إلى فحص سر مرونة وصمود الزراعة المحلية وكيف تمكن سكان النقب من الحفاظ على نظام إنتاج النبيذ التجاري في قلب الصحراء.

محاكاة حاسوبية لتقييم إمكانية استغلال النبيذ في المنطقة القاحلة في وادي زيتان بالقرب من شيفطا
محاكاة حاسوبية لتقييم إمكانية استغلال النبيذ في المنطقة القاحلة في وادي زيتان بالقرب من شيفطا

في إطار الدراسة، طوّر الباحثون نموذجًا حاسوبيًا فريدًا يعتمد على مزيج من البيانات الأثرية والبيئية والمناخية من النقب البيزنطي. أُدخلت في النموذج تفاصيل حول التضاريس وأنواع التربة وأنظمة المدرجات الزراعية وجمع مياه الأمطار، بالإضافة إلى بيانات مفصلة عن هطول الأمطار والتبخر. باستخدام هذه المحاكاة، حسب الباحثون كمية المياه المتدفقة إلى كروم العنب، وقدّروا كمية محصول العنب الذي تمكن المزارعون من زراعته، وكيفية تعاملهم مع فترات الجفاف الطويلة. وصرح الباحثون: "يتيح لنا هذا النموذج محاكاة سيناريوهات مختلفة ودراسة ما يحدث للنظام الزراعي عند تغير المناخ أو عند انخفاض هطول الأمطار بشكل حاد. لقد ابتكرنا أداة أتاحت لنا لمحة شبه آنية عن كيفية تخطيط سكان الصحراء لزراعتهم واستجابتهم للظروف القاسية".

الأنظمة الزراعية بالقرب من شيفتا للتصوير الفوتوغرافي يوتام تيبر
الأنظمة الزراعية بالقرب من شيفتا للتصوير الفوتوغرافي يوتام تيبر

تشير نتائج الدراسة إلى أن أساليب حصاد مياه الأمطار واستخدام أنظمة المدرجات الزراعية أتاحت للمزارعين البيزنطيين إنتاج كميات كبيرة من النبيذ حتى في ظل ظروف هطول أمطار أقل من 100 ملم سنويًا، وكشفت عن مدى مساهمة تخطيط مزارع الكروم في الوديان في زيادة فرص نجاح الزراعة الصحراوية، والتي كانت تعتمد على كمية الأمطار. ووفقًا لنموذج البحث، أدى الجفاف لمدة عامين إلى انخفاض إنتاج النبيذ بنحو الثلث مقارنةً بالسنوات العادية. كما أدى الجفاف الطويل لمدة خمس سنوات إلى انخفاض الإنتاج بأكثر من 60%. كما وجدت الدراسة أن فترة تعافي النظام الزراعي بعد فترات جفاف طويلة قد تستغرق أكثر من ست سنوات. وخلص الباحثون إلى أن "نتائجنا تُظهر مدى صعوبة استدامة الزراعة في الصحراء ومدى ضعف النظام الزراعي خلال فترات الجفاف الطويلة. وهذا درس مهم لعصرنا أيضًا، إذ يساعد على فهم قيود الزراعة في المناطق القاحلة وتصميم أنظمة من شأنها التكيف بشكل أفضل مع تغير المناخ".

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

תגובה אחת

  1. لقد انهار الاقتصاد والزراعة البيزنطيان في البلاد، ليس بسبب الجفاف الطويل، ولكن بسبب الفتح الإسلامي، الذي جلب الدمار والخراب الذي لم تتعافَ منه البلاد إلا في القرن التاسع عشر.

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.